قصص من واقع تجربة الاعتقال السياسي

الجد والروف هما الحارسين المسؤولين عن حي 4 بسجن عكاشة ايام اعتقالي ،الأول هو رئيس الحي في الخمسين من عمره قصير وثخين لونه قريب من السمرة وطريقة كلامه تشير انه كازاوي المولد ولكن جذوره تمتد الى الشاوية ،متزوج وله أربعة ابناء،يتحرك داخل الحي بخيلاء وهو الآمر والناهي بالحي ،لا كلام فوق كلامه باشارة منه تنفذ كل اوامره ،اما الروف فهو نائبه شاب في الثلاثينات من العمر ،شاب مفتول العضلات ،طويل القامة ابيض البشرة هو أيضا كازاوي ولكن جذوره تمتد الى ريف المغرب،هو اليد اليمن للحد وكلبه الذي ينقض على كل من أشار اليه رئيسه ،وهما معًا المتحكمون في حي مكتظ ،يتكون من ثلاث طوابق يسكنها حوالي ٢٠٠٠ سجين يخضعون لنظام صارم يحكمه الجد والروف بواسطة سارجانات و”السارجان “هو المسؤول من السجناء عن كل زنزانة اي حوالي ستين سارجان، هؤلاء السارجانات هم من يتكلفون بالإتاوات داخل الزنازين ،فلكل شيئ ثمن ،لمكان النوم ثمن قد لا يقل عن مائتي درهم في الشهر ،وللحصول على الدخان ثمن ،وللحصول على الشيرا ثمن ،عندما كنت هناك كان ما يسمى ب”راس الوقيدة”بعشرة دراهم ،حتى الاتجار بالبشر له ثمنه حسب العرض المقدم ،ان كان العرض من الأحداث او من الشباب “العاطين العين” او من الأشخاص العاديين ،هذا اضافة لمن يريد ان تكون له حرية نسبية داخل الحي او بالخروج منه اي ان من يريد ان يحصل على كل ذلك عليه ان يؤدي على الأقل أربعة آلاف درهم وقد تزيد اكثر ،وللمرأ ان يتخيل اي كنز يجلس عليه الجد والروف عبر شبكة تتبع أوامرهما حتى في تأديب السجناء ،لان من لم يخضع لهذا النظام سيجد نفسه عرضة لتعذيب بشع من طرف السارجان وزبانيته من السجناء ليجد نفسه ملفوفا بزنزانته في غطاء متين وبإحكام طيلة ليلته ولايهم ان مات او لا، وسيخضع بقوة اذا لم يخصع للشروط المسطرة ،ومن لم تنفع معه كل هذه الوسائل ففلاقة الجد والروف وزنزانة الكاشو او التعلاق عاريا اما العموم في باب الحي الحديدي سيعيده الى رشده.
في رمضان ١٩٩٥ زارتني عائلتي وأخبرتني ان احد أصدقاء الدراسة يتواجد بهذا الحي،وكنا نحن المعتقلين السياسيين نتمتع بحرية سواء داخل حينا 5او خارجه،وبعد النهاية من الزيارة ذهبت الى حي 04 تقدمت بكل أدب الى الجد فقلت له أني اريد ان ان ارى فلانًا ،فانتهرني وبدأ يسبني أجبته ان عليه ان يحترم نفسه لكنه أخذته العزة بالإثم ،فسبني بأقذع الشتائم وانذلها، وسب والدي فسببته، فما هي الا رمشة عين حتى فوجئت بالروف يسقطني أرضًا ،فأجهزا علي بعنف منقطع النظير،فبدءا معا يضربانني بكل همجية بطريقة “يد من الفوقانية “وانا فقط احاول حماية نفسي من ضرباتهما الموجعة واستقر رأيهما ان يخضعاني للفلقة لولا تدخل بعض السجناء من خارج حيهما الذي أخبرهما أني من مجموعة المعتقلين السياسيين،في البداية لم يتوقفا عن لف الفلقة في رجلي وكان الجد يقول بكل جرأة “يكون من يكون لايهم” وبعد إلحاح السجين توقفا وما هي الا هنيهات حتى جاء طبيب المؤسسة ومعهم رئيس الحراس ،حاول غي البداية ان يفض الحادث بدون خسائر لحراسه ،لكن أمام إصراري بدأ يكشف علي الطبيب وبعد ان يسلمني شهادة طبية نظرا للجروح البادية في وجهي وكل مناطق جسمي والرضوض الظاهرة على راسي ،ادرك الكل ان المسالة تجاوزتهم فجاء مدير السجن فطلبت منه رسالة فسلمته شكاية بالتعرض للاعتداء والتعذيب لوكيل الملك،حاول المدير ان يثنيني عن ذلك وبدأ الجد والروف يستعطفاني،بحجة انهما لم يعرفانني وكان العذر اخبث من الزلة ،فعدت أدراجي الى حي 5 وأخبرت مجموعتنا بما وقع لي ،فقررنا ان نخوض في اليوم الموالي اضرابا عن الطعام وابلغنا كل المنظمات الحقوقية بما حدث ونشرته عدة جرائد منها جريدة أنوال والجسر والاتحاد الاشتراكي والعلم وبدأ احتجاج المنظمات الدولية كامنيستي والجمعية المغربية لحقوق الإنسان والعصبة المغربية لحقوق الانسان والمنظمة المغربية لحقوق الانسان وغيرهم وطالب بالتحقيق فيما حدث لي،فبدى لهم ان الأمر بدأ يخرج عن السيطرة فعمدت الإدارة الى زيارتنا بالحي 5 وبكل قوتها وعلى رأسها مديرها وجمع من الحراس لهم علاقة جيدة معنا لاثناءنا عن معركتنا ،ومعما الجد والروف الذين عمدًا الى تقبيل رأسي وهما يقولان لي :لو علمنا من تكون ما اعتدينا عليك فتجاوز عنا فان لنا ابناء نعولهم،فأجبتهم بحدة كان يكفي ان تعرفًا أني إنسان لايجود باي حال ان تعرضاه لسوء المعاملة والتعذيب،ومن كان عنده ابناء وجب ان يحترم ابناء الناس الآخرين ،وبعد ذلك قام الجد ووضع يديه خلف ظهره وأحنى رأسه وقال :لي إضربني كما تريد ،فأجبته انا ليس من شيمي ان اعتدي على احد،وأنا ضد ممارسة العنف ايا كان،حاولوا ان يضغطوا علي ببعض أصدقائي فرفضت اي تدخل حتى تأخذ في حقهما على الأقل الإجراءات التأديبية الزجرية حتى يكونًا عبرة لغيرهما ،وفعلًا اضطر مدير السجن ان يوقفهما من مهامهما بحي 04،وإرسالهما كحارسين في بوابة احد مسؤولي إدارة السجون،اما شكاية الاعتداء فقد حفظتها النيابة العامة،والأهم انه بسبب هذه الحادثة لم يعد التعذيب أمرًا ممنهجا واصبح تواجدنا بسجن عكاشة كآلية لمراقبة اي تعذيب وفضحه لدى الجرائد والمنظمات الحقوقية.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...