فصل المقال فيما بين جماعات “الإسلام السياسي” و جماعات “السلفية الجهادية” من الاتصال

لماذا تصر جماعات “الاسلام السياسي” على فك الارتباط بينها وبين الجماعات “الجهادية”؟  هل صحيح أن فكها لهذا الارتباط  ممكن وحقيقي وموجود؟ و إذا كان ممكنا و حقيقيا و موجودا، فإلى أي حد وبأي معنى؟ وما هي القواسم المشتركة بينهما وما هي نقاط الاختلاف؟ وهل ترقى نقط الاختلاف هذه إلى درجة القطيعة والفصام؟

تستمد هذه الأسئلة  رهنيتها من كون الحركات الاسلامية لا زالت لاعبا مؤثرا في الساحة ، و ستظل كذلك في الامد المنظور على الاقل. إن هذا الموضوع مهم لأنه يتعلق بنقاش مهم  يدور حول قضية مهمة، تتعلق بما إذا كانت جماعات “الاسلام السياسي” قد حققت القطيعة بينها وبين الجماعات “الجهادية” فعلا .

غني عن البيان القول ان جماعة “الاخوان المسلمين” هي جماعة أم ـ كما يصفونها ـ ومن رحمها خرجت جل الحركات العاملة في مجال” تجديد الإسلام” والدعوة إليه،  و إن التصور العام للإسلام الذي اصبحت عليه تلك الحركات، أو هؤلاء الأفراد، والقاضي بشمولية الإسلام لجميع مناحي الحياة وتغطيته لها، إنما يعود الفضل في تكريسه إليها: أي الاخوان المسلمين.

ولذلك تتقاطع و تتفق جماعة “الإخوان” وباقي التنظيمات و الجماعات في أهم الأهداف التي تبرر هذه الجماعات وجودها بها، أي العمل على إقامة “الدولة الإسلامية” وتحقيق مشروع النهضة الإسلامية أو الشهود الحضاري ـ كما يحلو لهم أن يقولواـ وإن كانت تختلف في الوسائل والطرق الموصلة إليها، وهذا الذي يعنينا هنا، في هذا المجال.

تتفق كل الحركات العاملة في مجال الدعوة والتجديد الاسلامي على ضرورة العمل والكفاح من أجل “الدولة الإسلامية”  و من أجل إقامتها ،حتى أنهم يجعلون المسلمين ملزمين بضرورة النزال من أجلها وفي سبيلها، وذلك بعد أن رفعوها إلى منزلة الأصول والأركان : اصول الدين وأركانه،ويختلفون حول الأسباب التي ينبغي أتخاذها والسبل التي يجب سلوكها لهذا الغرض “المقدس”، والأسباب والسبل هنا هي إما “الديمقراطية” كأداة تضمن التداول على السلطة مع حقن الدماء، و إما الجهاد كعنف “مقدس” و كمسلك واحد و وحيد لتحقيق ذات الغاية.

وإذا كان” الجهاد”، كمسلك عنيف وثوري، إنما يتبناه ويدافع عنه ويسير عليه “التيار الجهادي” الذي عرف به ونسب إليه، وكان الحل “الديمقراطي” كخيار “رشيد” تتبناه و” تحترم” قواعده ومبادئه  جماعات “الإسلام السياسي” و إذا كان “التيار الجهادي” يكفر بالديموقراطية،  وكانت هذه الجماعات ترفض الجهاد، كخيار عنيف  للوصول إلى السلطة ، فإن السؤال هنا هو: إلى أي حد كانت جماعات الإسلام السياسي “صادقة” في موقفها من كل “الديموقراطية والجهاد؟ وإلى أي حد كانت تلك الجماعات مؤمنة بخياراتها؟ و هل يمكن اعتبار هذه القضايا: موقف كل من “التيار الجهادي” و جماعات “الإسلام السياسي” من الديموقراطية ومن الجهاد كطريق إلى السلطة، محددات فاصلة بينهما  وصالحة لإقامة التمايز بينهما، إلى درجة تحقيق” المفاصلة”.

أما أن ” التيار الجهادي” يرفض الديمقراطية ويكفر بها و يُكفر من يقول بها، و لا يختار إلا الجهاد طريقا للوصول إلى السلطة و السيطرة على الدولة ، في أفق تحقيق مشروعه ” الحضاري” ، فهذا ما لا يرقى إليه الشك، ولا يتنازع بشأنه اثنان، وأما أن جماعات “الإسلام السياسي” ترفض “الجهاد” كحل للوصول إلى السلطة و تؤمن بالخيار الديمقراطي ولا ترضى عنه بديلا، فهذا ما يحتاج إلى فتح النقاش حوله و تحرير القول بشأنه.

فهل صحيح أن جماعات” الإسلام السياسي” ترفض “الجهاد” طريقا للوصول إلى السلطة ؟ وهل صحيح أنها “تؤمن” بالديموقراطية وملحقاتها؟

للجواب عن هذين السؤالين، ينبغي العودة إلى التاريخ: تاريخ هذه الجماعات، وإلى أدبياتها التي خلفتها عقول منظريها وقادتها.

بالنسبة لأدبيات هذه الجماعات، فإن نظرة واحدة وبسيطة في مخلفات “الشهيد” حسن البنا، تكشف أن موقف الجماعة من الجهاد هو التبني، أي تبني الجهاد، وتناول حسن البنا للمفهوم في عمومه و إطلاقه، و قوله أن الإسلام يتخذ الجهاد شعارا له، يفيد ذلك ، واعتباره في “صناعة الموت” أن الأمة التي تتقن صناعة الموت وتحسنها هي التي يمنحها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرةـ أو كما قال ـ ما يعني أنه يدعو ـ بطريقة واضحة ـ الامة  إلى أن تعد أبناءها للموت من أجل نصرة قضاياها والتضحية في سبيلها، و أن تنشئ أفرادها على القيم الممجدة للموت. وربما مفهوم “صناعة الموت” هذا ، هو الذي سيتطور على أيدي عدد من العاملين في هذا المجال، ليعني أن اقتصاد المسلمين نفسه هو اقتصاد الحرب، وكل مناحي الحياة الإسلامية مؤطرة بها، أي بالحرب.

صحيح أن هناك من ذهب إلى أن الفعل الجهادي لم يكن ـ في بدايته على الأقل ـ موجها إلى الداخل، كما قال الظواهري نفسه في كتابه” فرسان تحت راية النبي” وان التربية الجهادية التي كانت الجماعة تُعد عناصرها على ضوئها، لم يكن المراد منها تخريج الكتائب المتربصة بالداخل،  ولكن هذا الكلام لا يسنده الواقع ، حيث كان في جماعة الاخوان تنظيم خاص ارتكب طائفة من الاعمال وضعت الجماعة في مأزق  و أدخلتها في عنق الزجاجة، و حيث وقفت الجماعة إلى جانب حركة الضباط الأحرار في انقلابها على النظام الملكي و دعمتها،  وحيث أن هناك عددا من عناصر الجماعة ارتكبوا أعمالا قاسية و مرعبة راح ضحيتها شخصيات تنتمي إلى الدولة ـ أو موظفة في أسلاكها ـ و إذا كانت الجماعة قد تنكرت لهم وتبرأت منهم، إلا أنها كانت تقر  وتعترف أن تلك الاعمال تتماشى مع الوجدان المسلم و تناسبه، كما سجل ذلك أيمن الظواهري في “الحصاد المر” وهو الكتاب الذي خصه لانتقاد الجماعة .

إن الموقف الحقيقي لجماعة الاخوان من الجهاد كتصور و ممارسة نجده فيما خطه حسن البنا و نجده عند فتحي يكن الذي اعتبر” التربية الجهادية” واجبة ، بل  من “أبجديات التصور الإسلامي” لأن الإسلام ذاته دعوة إلى الجهاد، ولأن الجماعة الإسلامية هي في الأصل جماعة جهادية، كما في كتابه السالف ذكره. حتى أنه نعى في كتابه” مشكلات الدعوة والداعية” على عناصر الجماعات الاسلامية مبالغتهم في الحذر من تبني الاعتماد على العنف، واعتبر ذلك من أبرز مظاهر الانحراف عند  هذه الجماعات ، كما نجده أيضا في كتاب سعيد حوى “جند الله” الذي يفصح عن مضمونه و محتواه انطلاقا من عنوانه وقد كتبه الرجل لفائدة “الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين” في سوريا إبان صراعها و مواجهتها المسلحة مع البعث، و نجده ايضا حتى في الكتابات التي تصدر عن الجماعات التي لا تعلن انتماءها إلى جماعة الإخوان “ك “العدل والإحسان” التي تعتبر أكبر جماعة في المغرب، نفتح “المنهاج النبوي تربية وتنظيما و زحفا” لعبد السلام ياسين والزحف هنا هي الكلمة التي تعنينا هنا حيث تتضمن الغاية من التنظيم والهدف منه ومن تأسيسه وهي نفسها غاية كل التنظيمات التي “تعمل” للإسلام على امتداد العالم الإسلامي، اي الزحف على الجاهلية بقيادة “الطليعة ” ـ التي يستعيدها الرجل إلى المجال الإسلامي لأنها تنتمي إليه كما يقول ـ وبالاعتماد على الجهاد كما هو في الكتاب.

إن الجهاد كما تشرحه الجماعات الإسلامية سيظل مفتوحا وعاما  و شاملا للمواجهة المفتوحة ، مع كل من يشكل عقبة في وجه الدعوة إلى الإسلام ،الأمر الذي يعني أنه إعلان للحرب،  ليس فقط،  على الغرب فحسب،  ولكن أيضا على الأنظمة الحاكمة التي تمالئه، وتحكم باسمه ودعمه وتأييده، وهذه هي الحقيقة “الحقة”، التي حتى وإن ذهبت تلك الجماعات إلى إنكارها و عدم الاعتراف بها، إلا أن الواقع يؤكدها، لنتذكر التجربة السورية حيث وأنه على الرغم من أن الجماعة رفضت الصراع المسلح ابتداء ،عادت وتبنته، وذلك  بعد أن لا حظت أن هذا الجهد العسكري قد بدأ في تحقيق أهدافه السياسية وبدأ يبني امجاده، كما شرح ذلك عمر عبد الحكيم في كتابه “التجربة السورية”، و يعزز مثل هذه القضية  ما ذكره الظواهري في” فرسان تحت راية النبي” المذكور سلفا، حين تناول شخصية وكيل النيابة يحي هاشم و قال ما معناه أن يحي هاشم هذا عرض مشروعه الجهادي على من كانوا يعتبرون قيادات الإخوان،  فكان تصورهم أن يكونوا قادة ولكن عن بعد،  حتى إذا تورطوا ـ أي يحيى هاشم وأعوانه ـ في مشكلة ما لا يتحملون ـ أي القيادات الإخوانية ـ مسؤوليتها وتبعاتها. إن الحقيقة هنا، هي أن المحاولات الدؤوبة لهذه الجماعات التبرؤ من الأعمال “الإرهابية” التي توقعها الجماعات “الجهادية” ليست إلا محاولات للإفلات من المتابعة والعقاب،  وليست إلا لونا من ألوان الالتفاف على مجهودات الشباب العاملين ، وإلا فإن مفهوم الجهاد الذي تتبناه جماعات “السلفية الجهادية” إنما يعود الفضل في تأسيسه لمنظري جماعات “الإسلام السياسي”،  ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن هذا التصور لمفهوم الجهاد وطريقة تنزيله ـ كما صاغته الأطروحة الإسلامية “الإخوانية” ـ هو من أهم ما تتكون منه” فلسفة” التيار “السلفي الجهادي”، فإذا كان “المعلم الشهيد” سيد قطب من أعظم أعلام التيار الجهادي إن لم يكن أعظمها ـ  حضورا و تأثيرا في هذا التيار، فإنه حاضر، وبوضوح شديد ، في فتحي يكن وفي سعيد حوى، وفي غيرهما، وإذا كانت عناصر التيار ،اليوم، لا يحيلون عليهم فإن قياداتهم  ـ لا شك ـ قد قرأت لهم وتأثرت بهم، وأصبحت تتخذ من كتاباتهم مرجعا لها.

نخلص من هنا إلى أن المسلك ، الذي تتخذه الجماعات الإسلامية الرافضة للديموقراطية والكافرة بها ، أي مسلك الجهاد، إنما شرحته قيادات جماعات “الإسلام السياسي” و طورته، وهي أي تلك الجماعات “الراديكالية” إنما تطبق نظريات أولئك و تنفذها ، وإنما دفع هؤلاء المنظرين الأوائل إلى التوقف عن المسير فيه والمضي فيه، تكلفته الباهظة وثمنه الغالي، يُوضح الأمر الشروحات والمرافعات التي تقدمها نخبة هذه الجماعات ، لتفسر بها سر امتناعها وتوقفها عن اتخاذ العنف منهجا، حيث يقول بعضهم أن هذا المسلك إنما يخدم “أعداء” الدعوة من الانظمة والحكام ، وذلك بمدهم بمبررات إبادتهم للدعوة والدعاة  ، تحت ذريعة محاربة “الارهاب”، وهم يرون أن الأنظمة ـ في كثير من الحالات ـ تضطر الحركات وتدفعها  دفعا ، إلى أن تتورط في ممارسة العنف حتى تتمكن من سحقها، وهم إنما يتعين عليهم التوقف عن المضي قدما في هذه الطريق، لما يترتب عليها من الخسائر الفادحة والنتائج المؤلمة، ويستعين بعضهم بلغة الفلسفة التي يحسنون التوسل بها في سبيل التأصيل لما يحدثونه من النظريات.

إذا تبين أن” الجهاد” الذي تندفع إليه الجماعات الإسلامية الراديكالية والسلفية إنما تتبناه وتفهمه على النحو الذي شرحته به جماعات الإسلام السياسي” دون أي تغيير أو تبديل وأن هذه الجماعات: جماعات الإسلام السياسي إنما توقفت عنه تخوفا من تبعاته وتهربا من ضرائبه، بمعنى أن هذا التوقف ـ ربما ـ كان مجرد توقف تكتيكي.

بقي أن نعرف أن الديمقراطية التي أصبحت عليها جماعات الإسلام السياسي واصبحت” تتبناها” ولا ترضى إلا إياها كما يقول عبد السلام ياسين ينبغي إعادة النظر فيها فهل صحيح أن الحركات الإسلام السياسي تؤمن بالديمقراطية صدقا؟ وهل حقا تتحمل تبعاتها ومقتضياتها؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تقية ومناورة؟

   إن من الواضح أن موقف الإسلاميين من الديمقراطية يتلبسه الكثير من الغموض، ويعتريه الكثير من الالتباس، وهو، على أي حال، موقف متذبذب وغير واضح، و التبريرات التي يلجؤون إليها، في معرض شرحهم لموقفهم، دليل بين على هذا التذبذب والاضطراب.

لنعد إلى المحاولات “التأصيلية” التي قام جمع من المفكرين” السياسيين” عند الحركة الإسلامية ، والتي كانوا يراهنون فيها على إجراء عملية مصالحة بين الإسلام والديمقراطية.

ينقل الشيخ العلامة فريد الأنصاري في كتابه “البيان الدعوي” عن عبد السلام ياسين في كتابه “الشورى والديمقراطية” ما يبدو غموضا في موقفه من الديموقراطية، بحيث لا نعرف أهو معها أم ضدها؟ أيقبلها أم يرفضها؟ حيث يهاجمها تارة ويقول أنه لا بأس أن تُجعل كالشورى لأنه لا مشاحة في الاصطلاح حسبما ينقل عن الفقهاء تارة أخرى. وهو إذ يضع ذلك الموقف الملتبس إنما يصيغه بأسلوب أقرب إلى الشعر منه إلى أسلوب التحليل العلمي كما لاحظ الشيخ فريد.

نفتح كتاب “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين” لعبد السلام ياسين أيضا لنرى كيف يرافع من أجلها، وكيف أن هذا الدفاع فيه قدر كبير من الاستحياء. إن أمر الوقوف إلى جانب الديموقراطية إنما يكون مقبولا لأن القول بكفرها  ـ كما يقول البعض ـ يعني، بمفهوم المخالفة، أن الاستبداد إيمان، وهذا ما لا يجرؤ على قوله إلا قليل من السلفية الجهادية، كأبي مصعب السوري، وحتى القول بها إنما يكون مقرونا ببعض التحفظ كما قال عبد السلام ياسين في “الإسلام والحداثة”.

   و مثل هذا أو قريب منه ،  ما ذهب إليه السيد محمد حسين فضل الله ، المرجع الشيعي اللبناني الكبير، حيث قال أنه إذا دار الاختيار بين الاستبداد والديموقراطية،  فإنه لا يكون بالوسع إلا القبول بها، أي بالديموقراطية .ا

إن الاختيار هنا صعب للغاية ، والتعامل مع الديموقراطية ينبغي أن يكون في غاية من الحذر ، واضح إذن، أن القبول بالديموقراطية ليس نتيجة قناعة مبدئية، وإنما هو إحساس بنوع من الحرج يجب رفعه ، وهذا ما ظهر ويظهر في تصريح بعضهم بالقول أن المفيد في الديموقراطية هو اعتبارها ألة موصلة إلى السلطة ومبلغة إليها، وأنه بالإمكان الفصل فيها بين كونها فلسفة، وبين كونها مجرد أداة. وذهاب أخر إلى أهمية مما تتضمنه من حقوق الإنسان التي تسمح بالتوسل بها للعمل للإسلام والتعريف به على الرغم من المخاصمة التلقائية لها من قبل الإسلامي.

  أما اعتبار الإسلاميين إياها كأداة ، وليس كفلسفة ، فهذا واضح وضوح الشمس في رابعة النهار كما تقول العرب، فبالعودة إلى كتاب “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين” المذكور أعلاه ،وبالذات إلى الشرح الذي يعرض به مفهومها أي الديموقراطية ، بقوله أنها حكم الشعب واختيار الشعب والاحتكام إلى الشعب كما قال، وهو التعريف الذي يجعله لا يرضى عنها بديلا، لأنه على يقين من أن الشعب العميق الايمان سوف لن يقبل إلا الإسلام ،والحكم بمقتضاه أو كما قال.

   وإذا كنا لسنا في حاجة للإشارة هنا، إلى أن هذا التعريف لا معنى له وأنه مجرد كلام فارغ،لأنه لم يوجد ولا يوجد، قديما أو حديثا ، شعب يحكم نفسه بنفسه أو يُحتكم إليه أو يُحترم اختياره، فإن النزول إلى هذا الاختيار وإظهار الرضا به، يستبطن قناعة تامة، بأن كون الشعب مسلما يجعل أمر اختياره الإسلام، وشريعة الإسلام امرا مفروغا منه، وبالتالي، يجعل أمر استيلائهم على السلطة وهيمنتهم على الدولة ، بنتائج هذا الاقتراع ، أمرا مضمونا وميسورا، وهذا إنما يحصل من باب إلزام الخصم “السياسي” بما ألزم به نفسه وفقط من هذا الباب،

  وإلا فإن الإسلامي،  عند التحقيق، لا يمكن أن يكون ديموقراطيا وإسلاميا في آن. إن الإسلامي ـ كما تتمثله الأطروحة الصحوية ـ الذي يتبنى الإسلام ـ كما تؤوله الأطروحة الصحوية أيضاـ لا يمكن أن يتبنى الديموقراطية صدقا،  لنفتح كتاب “مذاهب فكرية معاصرة ” للعلامة محمد قطب، وهو يعتبر واحدا من أهم مفكري ومنظري الصحوة الإسلامية، والكتب التي خلفها تعد واحدة من أهم المراجع المعتمدة في التاطير الفكري للسلفية الجهادية، شأنه في ذلك شأن أخيه سيد قطب، وهو أيضا واحد من العمالقة الذين تحدث عنهم ابو مصعب السوري بوصفهم كذلك: أي عمالقة، نفتح هذا الكتاب، فنقف على أن هذا المفكر الإسلامي” بحق”، يجردها من كل “فضائلها” و”قيمها” ويرجع الحقوق، التي ترتبط بها وتتصل، إلى النضال الذي مارسته الشعوب ـ ولازالت تمارسه ـوليس إليها. ويؤكد على أنها ، دوما، في خدمة الحكام ، وليست كالإسلام الذي يقف ضد مصالحهم ،كمايؤكد على كونها مخالفة للإسلام مخالفة صريحة و واضحة، وقد قومها بمعيارين اثنين هما: قضية العبادة  وقضية إنسانية الإنسان،  فلاحظ أن المعبود فيها ليس هو الله، وإنما هو شيء آخر، وأن إنسانية الإنسان عندها لا شيء بل إن الإنسان عندها هو نفسه لاشيء ، كما نبه إلى أنه لا يجوز ابدا أن نقرن بين النظام الرباني وبين النظام الجاهلي ويشير إلى أن ما يبدو كقواسم مشتركة بينهما: أي الإسلام والديموقراطية،  ينبغي أن لا تنسينا حقيقة كل منهما وأن لا تنسينا الفوارق القائمة بينهما.

ومحمد قطب خير من يمثل وجهة نظر الإسلاميين ويشرحها ويرافع من أجلها إذ الحقيقة أن الإسلامي لا يمكن أن يكون “ديموقراطيا” أبدا فالديموقراطية غير والإسلام غير والدولة التي تتطلع إليها القوى الإسلامية ليست هي الدولة التي يتطلع إليها القوى “الديموقراطية” أبدا ، إذ الدولة الإسلامية تحتل فيها الأخلاق مجالا واسعا وتعتبر واحدة من أهم مرتكزاتها في حين أن الدولة في الديموقراطية لا تعير الأخلاق أي اهتمام ولا تحتفل بها نهائيا.

والذين يقولون بهذه الإمكانية:  إمكانية التوفيق بينهما كحسن الترابي ورشيد الغنوشي وأضرابهما ، فأولئك معروفون ومشهورون بانتهاك العديد من مسلمات الشريعة الإسلامية، واجتهادهم في هذا المجال اجتهاد يتجاوز الكثير مما ينبغي التعاطي معه بالحذر، فقول حسن الترابي في كتابه “الشورى والديموقراطية” أن الديموقراطية في واقعها ليست إلا شورى متطورة في التاريخ وأن هذه الأخيرة عند التحقيق ليست إلا الاولى أو كما قال، كلام يفتقد إلى الحد الأدنى من المعرفة والوعي الموضوعي، وقول الآخر” رشيد الغنوشي” في حواراته مع” قصي صالح الدرويش” أن الديموقراطية لا تتناقض مع الإسلام ولا تتعارض معه ، أيضا كلام يفتقد إلى ذلك الحد الادنى من العلم والحس الموضوعي،فالفرق بينهما، فرق لا يمكن رتقه ولا يمكن تجاوزه، إذ الحكم في الإسلام يعود إلى الله وهو مصدره،  و يعود في الديموقراطية إلى الشعب وهو مصدره أيضا،  وتغيير الأحكام ممكن في الديموقراطية، وغير ممكن في الإسلام، والمساواة بين المواطنين في الإسلام غير ممكنة ، في حين أنها ضرورية في الديموقراطية.

فلم يبق ـ والحال كما وصفنا ـ أمام الإسلامي إلا أن يرى الديموقراطية مجرد أداة تستعمل للوصول إلى السلطة، ومجرد مطية تركب لذات الغاية. وهذا منطق يمكن فهمه واستيعابه،  وهذا ما تفهمه حتى النخبة السياسية المعارضة للقوى الإسلامية، و لذلك تصر على مقاومتها و الرد عليها، لأنها تعتبرها خطرا على الديموقراطية وتهديدا لها، لأن قبوله بها ليس إلا قبولا مرحليا تقتضيه الضرورة،  أو أن  يتخلى عن وصفه ب”الإسلامي” والتحول إلى غيره،  لأن الجمع بينهما فيه نوع من المحال، وفيه لون من التناقض، لا يمكن رفعه تحت أي عنوان وبأي مفردة.

نخلص من هاتين القضيتين: قضية تصور الحركات الجهادية  للجهاد كما شرحته الأطروحة الإخوانية وبينته، وقضية تذبذب موقف جماعات الإسلام السياسي من الديموقراطية ومخاصمتها، إلا قليلا من باب استغلال ما في القانون الجاهلي من إيجابيات تخدم الدعوة وتحمي عناصرها كما قال “منير الغضبان” في كتابه “المنهج الحركي للسيرة” نخلص إلى أنهما يتفقان أو يكادان يتفقان حيث الجماعات الجهادية تواصل ممارسة الجهاد بالطريقة التي كرستها جماعات “الإسلام السياسي” وهذه الأخيرة ترفض الديموقراطية من حيث المبدأ و تقبل أن تركبها من جهة كونها أداة و وسيلة، والجماعات الجهادية تدرك ذلك جيدا ولذلك تحتج عليها بالتساؤل عما إذا كانت الجاهلية نائمة  وغير منتبهة لما تعده الحركات الإسلامية وتجهل النوايا الحقيقية لها وتوضح لها أن الحل للوصول إلى السلطة إنما يكون بالجهاد، هذا الذي جربته جماعات الإسلام السياسي  أو جربت بعضا منه وانتهت إلى ان تكلفته باهظة وأن الأسلم هو الانتقال إلى محاولة اعتماد الديموقراطية وتبنيها كأداة ريثما تصل إلى السلطة فتنقلب عليها

ولا بأس من قليل الاستطراد هنا للتذكير بأن هذا الموضوع : موضوع التوقف عن ممارسة الجهاد ضد الواقع الجاهلي وضد الحكام له علاقة مباشرة بالنقاش الذي ربما ابتدأ القول فيه وعنه منذ الثمانينات من القرن المنصرم أو قبله بقليل واستمر إلى نهاية القرن وبداية القرن الجاري، والمتعلق بما أطلق عليه ” فقه الاستضعاف” و”فقه التمكين” والاختلاف الذي حصل بسببه بين من يقول أن مرحلة المسلمين اليوم هي مرحلة الاستضعاف وبالتالي ينبغي الفقه الذي يناسبها وهو هنا ليس إلا فقه المرحلة المكية أي مرحلة “كفوا أيديكم وأقيموا الصلام” كما في سورة النساء والتي توقف عندها الشهيد سيد قطب في ظلاله وقفة تأملية رصينة وبين من يرفض هذا الموقف ويؤكد على أن المسلمين اليوم ينبغي أن يقيموا الدين الذي مات عليه رسول الله “ص” وليس ما بدأ به “ص” والخلاف هنا كما هو واضح خلاف فكري و”فقهي” بالدرجة الاولى.

وإذا كانت هذه الجماعات تتقاسم الموقف من الديموقراطية والموقف من الجهاد وأن الفارق بينهما لا يزيد عن تأجيل جماعات “الإسلام السياسي” التوسل بالجهاد لإحداث التغيير المطلوب وتحقيق الهدف المنشود إلى ان تتوفر شروطه وشروط نجاحه في حين أن الثانية تكاد تعتبره “غاية” ولذلك تتورط فيه غير مهتمة بالعواقب والنتائج وكان موقفها من الديموقراطية هو الرفض أو المخاصمة مع محاولة استثمار ما فيها من إيجابيات مما يجعل المقولة التي تذهب إلى أن الفارق بينها أي هذه الجماعات فارقا في الدرجة وليس في النوع صحيحة إلى حد بعيد

هذا بالإضافة هنا إلى أن الموقف الحدي من الديموقراطية أي القول بتكفيرها لم يدخل إلى ساحة الاستعمال من قبل الإسلاميين إلا مع الأدبيات التي تتأسس على إنتاجات “علماء” و”فقهاء” نجد، وإلا فإن اكتفاء بعض المفكرين الإسلاميين بوصفها ب”الجاهلية” قريب من تكفيرها إن لم يكن هو هو ولذلك يبدو أن غياب “تكفير” الديموقراطية من أدبيات وكتابات منظري “الإسلام السياسي” عائد إلى أن هؤلاء المنظرين كانوا مفكرين ولم يستثمروا مفردات وعبارات الشيوخ “العقدية ” والدينية.

وهذا لا يعني أنه لا توجد هناك فوارق بينهما ، لاشك أن هناك فوارق ولكنها لا ترقى ـ عند التحقيق ـ إلى درجة إحداث القطيعة وما يبدو من هذا النوع ليس في واقع الحال إلا صراعات سياسية ولا يمكن تفسيرها و فهمها إلا في هذا الإطار: إطار السياسة  وما يرتبط بها.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...