الفرق الغنائية المغربيّة… أصواتٌ قادمة من الثمانينيات

Rassd Maroc
شكّل ظهور الفرق الغنائية المغربيّة خلال سبعينيات القرن المنصرم، مثل “ناس الغيوان” و”جيل جيلالة” و”لمشاهب” و”السهام” و”تكادة” وغيرهم، قفزة نوعية وكبيرة بجميع المقاييس في تاريخ الأغنية المغربيّة، بسبب اكتساحها العارم للمُستمع المغربي في أزمنة، تميّزت بالكثير من التصدعات التي طاولت المشهد الفني بالمغرب، بحيث إنّ هذه الفرق الغنائية، حرّرت الأغنية المغربيّة من طابعها البرجوازي التقليدي الموروث عن الاستقلال، أو حتى من بعض أغانٍ تراثية وطنية، ظلّ المغرب يلجأ إليها داخل محافل وطنية ودولية لإذكاء الشعور القومي وحبّ الوطن في نفوس المغاربة. وهي أغانٍ ليست ذات قيمة، لأنّ مُنطلقاتها ليس فنية، بقدر ما أنّ مرماها يتحدّد بدوافع سياسية وطنية محضة، لم يكُن الجمهور المغربي في حاجة إليها إبان السبعينيات، بسبب عدم قدرتها على تشكيله وعيه، ولا أنْ تكون لسان حاله، بعد أنْ ظلّت مُرتبطة بطبقة اجتماعية بعينها هي البرجوازية الصاعدة، والتي ترعرعت في أحضان الحركة الوطنية واستفادت من كل خيرات البلد باسم المقاومة والدفاع عن الوطن.
لكن هذه الفرق الغنائية، لم تكُن في حاجة إلى سندٍ سياسيّ أو إلى دعمٍ ماديّ أو مؤسسةٍ رسمية لتحقّق نجاحها وترسم آفاقها وتنحت اسمها عميقاً داخل الأغنية المغربيّة وتُحرّرها من سلطة التقليد وسطوة القصائد البلاغية، صوب أغانٍ تستجيب لتطلّعات الطبقة الكادحة وقاع المجتمع المغربي. فكان الرهان على هذه الفرق الغنائية، التي خرجت من أحياء هامشية داخل مدينة الدار البيضاء، لتتفجر داخل الاجتماع المغربي وتعمل معها لأول مرة في تاريخ الأغنية بالمغرب على الاستماع إلى المجتمع وجراحه، وتُعيد معها الاعتبار للمجتمع وتطلّعاته التحرّرية داخل أغنية ترسم البسمة على وجوه كل من يسمعُها. فضلاً عن حساسيتها تجاه الإنسان المغربي المقهور الذي هدّه البرد والجوع في مغرب السبعينيات. فجاءت هذه الفرق الغنائية وكأنّها تُعيد الفرحة المسروقة عن طريق كلماتٍ تحفر في بلاغة التراث المغربي وتوليفها مع إيقاعات وأهازيجٍ مغربيّة مُتنوّعة، رغم تواضع آلاتها الموسيقية، والتي تستدعي مجهوداً كبيراً على مستوى العزف، لإظهار جماليّات الأغنية ومستوياتها الإيقاعية، وقدرتها على إنتاج خطابٍ فنيّ، سنده السياسة والاجتماع، بحكم أنّ هذه الفرق الغنائية ولّدت ما سُميَّ في المغرب بـ”الأغنية السياسية” المُلتحمة بقضايا المجتمع.
“ناس الغيوان”
كانت فرقة “ناس الغيوان” أكثر هذه الفرق الغنائية شهرة. من كان يتصوّر لفرقة خرجت من رحم أكبر الأحياء الشعبية التعيسة والفقيرة بمنطقة الحي المحمدي بمدينة الدار البيضاء مع كل من بوجميع والعربي باطما وعمر السيد وغيرهم، أنْ تُحقّق كلّ هذا النجاح الباهر، الذي انتقل من كونه مجرد أغانٍ شعبية، إلى أنْ تُصبح أيقونة فنية لجيلٍ بأكلمه، بل الأكثر من ذلك، هو أنّ “الظاهرة الغيوانية” غدت موضة للفنّ والالتزام وجزالة الكلمة واللباس وطريقة تصفيف الشعر ومختلف المظاهر الداخلية والخارجية، والتي اكتسحتها الغيوانية داخل كيان الإنسان المغربي المقهور. واستمرت أغانيهم في الصعود والنجاح التدريجي، حتى أصبحت تتطلّع إلى أفقٍ عربيّ وإمكانية تماهيها مع المنطقة العربيّة، دون التخلي عن الخصوصيات المغربيّة على مستوى التعبير الموسيقي وجماليته، رغم تراتبية وتكرار هذا العزف المُستمد من الموسيقى الشعبية، إلا أنه أحدث فرقاً وشرخاً في أذن المُستمع المغربي وجعله يحنّ إلى تاريخه المقهور بأغانٍ من قبيل “ضايعين ضايعين”، “سبحان الله صيفنا ولا شتوى” وغيرها. ولمّا صدرت أغنيتا “غير خودوني” و”مهمومة هاد الدنيا مهمومة” تجاوباً مع الحراك الجماهيري للانعتاق من القهر والظلم من من فرط الآلة السياسية، تحوّلت ولأول مرة “الظاهرة الغيوانية” من كون أغانيها ذات بُعدٍ فنيّ إلى أغانٍ سياسية تُغَنَى في المُظاهرات والاحتجاجات وعلى خشبات مسارح، وكأنه خلاص من العذاب الروحي والجسدي المُمارس على المُواطن المغربي. صحيح أنّ الأغنية الغيوانية، لم تخرج من إسار “الأغنية التراثية” على مستوى الانتماء الفني وخصوصياته، لكنها خلقت أغنية جديدة، غير مألوفة داخل الأغنية التراثية نفسها المُحتكمة إلى التقليدية والأطلال ورومانسية القرن التاسع عشر.
“لمشاهب” و”السهام”
موضوعياً، لم تخرج فرقتا “لمشاهب” و”السهام” عن مسار “ناس الغيوان” وباقي الفرق الغنائية الأخرى، المُنتمية إلى سياقٍ سياسي واجتماعي واحد، لكن هاتان الفرقتان توغلتا أكثر في بنية “الإنسان المقهور” ويومياته، فجاءت أغانيهما أكثر تعبيراً ودلالة عن جرح المرحلة وأسئلتها القاهرة. وفي نفس الوقت، تشعبت أكثر على مستوى تعبيراتها الفنية، على صعيد الكتابة الغنائية، بحيث ارتبط ولأول مرة تاريخ الأغنية التراثية، بالدلالات الصوفية والروحية، وأضحى إنتاجهم الفني في مرحلة ما صوفياً، وقد تخلى عن اللغة السياسية المُباشرة، صوب لغةٍ غنائية وموسيقية، تُضمر السياسة، لا أنْ تُصبح لسان حالها. وهذا الأمر، ساهم في نجاح فرقة “لمشاهب” وجعل المؤسسة الرسمية، تتخلى عن استجوابها، كلّما صدرت أغنية جديدة لها عن مقاصد بعض الفقرات والخطاب داخل الأغنية.
غدا البُعد الصوفي الروحاني مُكوناً جماليّا داخل أغاني “لمشاهب”، وسبباً لنجاحها في تحقيق نغمٍ هارمونيّ مُتجانسٍ داخل قالب غنائيّ واحدٍ، وهو ما لم يتحقّق داخل فرقة “الغيوان”، لكن مع “لمشاهب” بدأت الأغنية المغربيّة تتميّز بصفاء اللحن وفتنة الكلمة وقساوتها في ألبوماتها الأولى، لكن شيئاً فشيئاً، خفتت حدّة النقد المباشر لصالح الاهتمام بجماليّات الأغنية فنياً، وغابت المضامين السياسية التي كانت تميّز فرقة “لمشاهب”.
وتعتبر مجموعة “السهام”، من أكثر الفرق الغنائية حداثة، من حيث قدرتها على تجديد الآلة الموسيقية، والتي جعلتها تُحقّق بعضاً من الشهرة داخل التلفزيون المغربي، الذي أصبح يهتم بأمر هذه الفرق الغنائية، بعد أنْ انخفض حجم ومنسوب النقد إلى المؤسسات. لكن الجرح لم يندمل، بل امتد وتشعب أكثر داخل فنون أخرى مثل المسرح والسينما. كما أنّ الشباب المغربي، ظلّ مُتحمساً لأغاني هذه الفرقة، بسبب الاستعمال الجديد للآلة الموسيقية.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...