كيف تقتل بضمير مرتاح قراءة تحليلية في كتاب “صنع العدو”

رصد المغرب 

مقدمة

تعتمد الأنظمة السياسيّة في البلاد الديمقراطيّة والديكتاتوريّة على حدّ سواء على تقديم مسوّغات لأفعالها المختلفة، سواء كانت مسوّغات حقيقيّة أو إقناعيّة، وذلك بهدف تهيئة الرأي العامّ للقبول بها أو ضمان عدم الخروج عن الرسائل المُبطّنة فيها.

لم تكن الدول في مرحلة ما قبل الدولة الوطنيّة تبذل جهودًا كبيرةً للدخول في حربٍ ما أو لتوقيع اتفاقٍ معيّن، حيث كانت طبقة الحكم المتمثّلة بالملك وحاشيته تعلن الحرب أو تنهيها دون العودة للرأي العامّ، إلا أن الدول المعاصرة باتت تحتاج في حالات الحروب إلى إقناع شعوبها بضرورة خوض المعركة، وتعمد في ذلك إلى تهيئة الأجواء والقيام بخطواتٍ متتالية لإقناع الشعب بالعداوة بين الدولة وخصمٍ ما، ثم ترتيب حملات متعدّدة إعلاميًّا وسياسيًّا وفكريًّا لضمان إقناع الجماهير بدعمها.

قدّم الأكاديمي والدبلوماسي الفرنسي بيير كونيسا قراءة معمّقة حول الأساليب التي تقنع الدول بها شعوبها بضرورة محاربة الأعداء، وتشعّب بهدف تفكيك الكيفيّة التي تُبنى بها علاقة العداوة، ويُبتدع بها العدوّ قبل الذهاب إلى الحرب وذلك في دراسته الموسومة بـ “صنع العدو، كيف تقتل بضمير مرتاح” من خلال تقديم قراءةٍ معمّقة تختلف عن التحليل التقليديّ في دراسة الأعداء، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أنّ الاستراتيجيات القديمة تستند إلى حدّ كبير –على الرغم من ادّعائها المنطقيّة والعلميّة- إلى خرافاتٍ وأيديولوجيّات وأكاذيب متعمّدة نوعًا ما بينما تكاد تكون معرفتها بالواقع وبحالة الفاعلين المعنيّين شبه معدومة.

 

أولاً: المؤلف والكتاب، نظرةٌ عن كثب

مؤلّف الكتاب هو بيير كونيسا (Pierre Conesa) أكاديميٌّ فرنسيٌّ عمل محاضرًا في التاريخ المعاصر في جامعة باريس السابعة بين عامي 1974-1980، ثم انتقل للعمل في وزارة الدفاع الفرنسية، فشغل فيها لمدّة لا بأس بها منصب مساعد مدير لجنة الشؤون الاستراتيجية في وزارة الدفاع الفرنسية قبل أن يتقاعد من عمله عام 2012.

وبالتوازي مع عمله في وزارة الدفاع الفرنسيّة كان محاضرًا في معهد الدراسات السياسيّة، ومديرًا عامًّا للشركة الأوروبية للذكاء الاستراتيجيّ بين عامي 2005- 2011، إضافة إلى كتابته المنتظمة في جريدة لوموند الفرنسيّة وعمله مستشارًا لشبكة فرنسا 24 ومديرًا لتقارير المعلومات في مركز الدراسات المتقدّمة حول شؤون التسليح .

أصدر بيير عدّة كتب، منها “العالم الحاليّ، دليل الجنّة“، والذي صدر عام 2004، و”آليات الفوضى انتشار استراتيجيّة بوش” والذي صدر عام 2007، إضافة إلى كتابه: د. “سعود”، والسيّد “جهاد” الدبلوماسية الدينيّة السعوديّة، الصادر عام 2016، وكتاب: هوليود “سلاح الدعاية الجماعية” الصادر عام 2018.

يتألّف كتاب “صنع العدو” من مقدّمة وثلاثة أقسام، ويتفرّع كل قسمٍ إلى فصولٍ ومباحثَ مختلفة، توزّعت على 317 صفحة في طبعته الأولى.

وضّح المؤلف في المقدّمة غايته من الكتاب وأسلوبه والمسوّغات المعرفيّة التي دعته لتأليف هذا الكتاب إضافة إلى بيان الأطروحة الأساس التي ينبني عليها الكتاب، لينتقل في القسم الأول من الكتاب إلى البحث عن استراتيجيّات تحديد الأعداء تحت مسمّى “ما العدوّ“، وذلك من خلال شرح ماهية العدوّ ودور المثقّفين والمفكّرين والسياسيّين في صناعته، وبيان مدى حاجة الدول المعاصرة إلى أعداء، حيث يبيّن أنّ التفكير الاستراتيجيّ الكلاسيكيّ لا يُعنى بالعدوّ كثيرًا قبل الحاجة إلى الحرب معه، وأنّ صناعته تعتمد مفاهيم اجتماعيّة أكثر منها حقوقيّة، سواءً كان العدوّ من خارج المحيط الحدوديّ للدولة أو داخل الجماعة الواحدة التي تنظر إلى الآخر المختلف باعتباره طريدةً يجب صيدها، وأيقونةً –في الوقت ذاته- مهمّة تعين على تماسك الجماعة وبناء الهويّة.

حاول المؤلّف في القسم الثاني تصنيف الأعداء وتبيين الوجوه التي يندرجون تحتها تحت عنوان “وجوه العدوّ: محاولة تصنيف” فيذكر أنواع مختلفة منهم في حالات الحرب والسلم ويعطي عن كل واحد منها مثالاً فأكثر، ويؤكّد في هذا المعرض أنّ التصنيفات التي يذكرها ليست نهائيّة، وأنّ نماذج “الأعداء” المعتمَدة في تصنيفه ليست نقيّةً تمامًا؛ إذ غالبًا ما يكون العدوّ مزيجًا مهجّنًا من تصنيفات متعدّدة إلا أنه اضطر لوضعها تحت تصنيف واحدة لغايات بحثيّة أساسًا.

انتقل الكاتب في القسم الثالث من الكتاب إلى “تفكيك العدوّ” باعتباره بنية مصنوعة أو حقيقيّة، ولذا فإنه قابل للتفكيك دومًا، وبذلك فإنّه من الممكن للناس العيش دون أعداء إلا أنّ المهمّة الصعبة في هذا الإطار هي توضيح كيفيّة ذلك، ويسردُ بيير في هذا الفصل عددًا لا بأس به من التجارب التي شهدها العالم في المصالحات إضافةً إلى طرق مختلفة للخروج من حالة الحرب، بالتوازي مع التأكيد على أهمّيّة الخطاب الرافض للحرب ولو كان أحاديّ الجانب.

 

ثانيًا: استراتيجيّات صناعة العدوّ 

في مقدَّمة الكتاب يستهلّ المؤلّف بكلامِ الشاعر الفرنسي هنري ميشو: “إنّ تحديد الأعداء والأصدقاء والتحقّق منهم، يشكّل آليّة ضروريّة قبل شنّ الحرب، وعند انتهاء النزاع يحتسب المتنازعون الحصيلة السلبيّة، لقد كانت الحربُ أسوأ الحلول، لكنّ الناس خضعوا لها، ومن المنطقيّ أن نحاول فهمَ العجرفة الحربيّة التي تدفع الناس إلى أن يقتل بعضهم بعضًا بطريقة شرعيّة؛ ذلك أنّ الحرب ترخيصٌ ممنوحٌ شرعيًّا لقتل أناس لا نعرفهم، وأحيانًا نعرفهم كما في الحروب الأهليّة، لكنهم يتحوّلون فجأةً إلى طرائد يجب تعقّبها والقضاء عليها” ، كما يستشهد في السياق ذاته بمقولة ألكسندر أرباتوف المستشار الدبلوماسي لـ ميخائيل غورباتشوف: “سنقدّم لكُم أسوأ خدمة، سنحرمكُم من العدو” .

لا يحدّد الكاتب طريقة مقبولة أو غير مقبولة للقتل، إلا أنّه في سِفره هذا هدَفَ إلى تحليل الكيفيّة التي تنشأ فيها علاقة العداوة والتي يُبنَى من خلالها المُتَخيَّل الذهنيّ قبل الحماسةِ والانطلاق نحو/ إلى الحرب، وذلك بناء على فرضيّته في أنّ سمة الحروب في العصر الحديث أنها حروب ديمقراطيّة تحتاج إلى تعبئة الرأي العامّ أوّلاً .

يدور الكتاب –والحال هكذا- حول كشف طريقة صناعة المسوّغ الداخليّ والدافع للاطمئنان عند فعل قتل الأعداء، سواءً كان محور الطريقة دينيًّا أو قوميًّا أو إيديولوجيًّا أو سياسيًّا، إضافة إلى تحليل طبقةٍ معقّدة من العوامل التي تتيح للقاتل/المحارب أن يكون مُرتاح الضمير حين ينخرطُ في قتل “العدوّ” أثناء الحروب.

تدور تحليلات بيير –قبل دراسة أشكال العنف- حول أنماط صناعة العداوة، أي الطريقة التي تجعل العنف مقبولًا وشرعيًّا ، نظرًا لوجود دور حيويٍّ يؤدّيه العدوّ اجتماعيًّا وسياسيًّا في المجتمعات المعاصرة، سواءً من حيث كونه عاملًا لصهر الأمّة وتأكيد قوّتها وترسيخ الأواصر الجمعيّة فيها، أو من خلال دور العدوّ في تشكيل مخرَجٍ للسلطة السياسيّة التي تواجه مصاعب عديدة على الصعيد الداخليّ ، وهكذا يُمكن اعتماد استراتيجيّة ما على قتل الخصم بحرمانه من العدوّ، ويصبح هذا الحرمان أسوأ خدمة يمكن تقديمها للخصم .

لم يعُد الملِكُ صاحب قرار الحرب أو السلم منذ انتصار الثورة الفرنسيّة، بل لا بُدَّ من تحشيدٍ متصاعدٍ للرأي العام بهدف إنجاح عمليات السلم أو الحرب إذ التصنيعُ هو العامل الأساس للتعبئة بمختلَف أشكالها، وهنا يشير إلى أنّ تفسير الحروب باعتبارها لعبةً من تجّار السلاح أو مصلحةً رأسماليّة تفسيرٌ اختزاليّ يقصُر عن تحليل أسباب مجمل الحروب التي جرت في القرن العشرين والقرن الحالي وتفسيرها، ومن هنا يجدر الإشارة إلى أن مهمة الباحثين والمحللين الاستراتيجيّين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي كانت –في الدرجة الأولى- إنشاء مفاهيم وأعداء جدُدًا بشكل مصطنع وظرفيّ .

يستَتْبعُ هدفُ صُنعِ العدوّ القيام بعدّة مراحل، من حيث إنشاء أيديولوجيا استراتيجية محدَّدة، إضافة إلى صناعة خطابٍ محدّدٍ يسمعه الجمهور ويوجِّه أفكارهم، إضافة إلى استخدامِ صُنّاع رأيٍ بأشكال مختلفة لضمان قبول الفكرة المصنوعة، وأخيرًا امتلاكُ آليّات القوّة لتحقيق العنف .

أ. العدوّ والحرب موضوعًا للبحث والفهم

على مدار نحو خمسين سنة كان تحليل النزاعات محكومًا -في الأغلب- بمنطق ثنائيّة القطب في العالم، إلا أنّ انهيار الاتحاد السوفييتي دفع الباحثين إلى العودة لتفسيرات إقليميّة ومحليّة لفهم النزاعات، وذلك كما في يوغوسلافيا والصومال ورواندا وغيرها من بلاد النزاعات المحلّيّة والبينيّة .

قبل الخوض في تحليل النزاعات يشير الكاتب إلى أنه لا بدّ من تعريف “العدوّ” من عدّة جوانبَ كتعريفه فكريًّا وقانونيًّا واجتماعيًّا.

1. العدوُّ موضوعًا نظريًّا: 

يبتدئ المؤلف تجواله من تعريفات الحربَ والعدوّ من الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز الذي يرى الحرب أمرًا طبيعيًّا وأنّ الأصل في الإنسان هو النزوعُ إلى العنف، وأنّ ضبطه يحتاج إلى نظامٍ يحكمه ويقسره على أن يكون اجتماعيًّا، وقال في هذا السياق مقولته الشهيرة: “الإنسان ذئب للإنسان” والجميع –دون نظام ضابطٍ طبعًا- في حرب “ضدّ الجميع”، وذلك في نقدٍ موجّهٍ ضدٍ أرسطو الذي يرى الإنسان كائنًا سياسيًّا بطبعه.

بدوره انتقد جان جاك روسو منهج هوبز الذي يقلب طبيعة البشر رأسًا على عقب، ويوضّح -من خلال مرجعيّة زمانه- أن الناس لا يكونون أعداء إلا في الوضع الظرفيّ للحروب بين الدول التي يشاركون فيها جنودًا وضحايا وليس ذلك حالة مستمرّة بطبيعة الحال .

يستشهد بيير في هذا السياق بأفكار أخرى لمجموعة من مفكّري مرحلة الحربين العالميّة الأولى والثانية وما تلاها من حرب باردةٍ، حيث نظّروا للحرب وتبعاتها بأنها عدالة ينبغي دعمها، إلا أن الفكر الاستراتيجي الآن –بالمقابل- لا يناقش قضيّة العدالة في الحرب، كما أنه غالبًا لا يهتمّ بفهم العدوّ قبل الاشتباك معه.

في هذا السياق يظهر اسم غاستون بوتول الذي عايش الحربين العالميّتين الأولى والثانية حيث أدخل “علم الحرب” مادَّةً أساسيّةً في صلب علم الاجتماع، محاولاً تشريح أسباب الحرب وفق نظامٍ معيّن باعتبارها جزءًا من الجسم الاجتماعيّ يتجاوز الأسباب السياسيّة المباشرة لكل نزاع، حيث تنخرط الدول في الحرب لا بذواتها الاعتباريّة –برأيه- وإنّما بـ “الإنسان الساخط” الذي يُعبّأ للحرب من خلال العقائد المسبقة والقناعات، وبهذا تنشأ الحرب من خلال إرادات جماعيّة وقيم اجتماعيّة معترف بها ترتكز على الامتيازات الاجتماعيّة والرمزية للمحارب

لقد أراد بوتول أن يجد الأسباب البنيويّة للحرب، إلا أنّه لم يحلّل في نشوب النزاعات في حروب الاستعمار ولا الثورات ضد الظلم ولا الحروب الأهليّة، وإنما كان تحليله نابعًا من معايناته حول انخراط شعوبٍ معنيّة بمواجهة النازيّة في أوروبّا.

على الخلاف من ذلك فإن الفكر الماركسيّ عمومًا اختزل السيناريوهات بشكل واسع حين وضع مبدأ الحرب الأهليّة الكونيّة، وجعلَ من “البرجوازيّة” العدوّ الموحّد للطبقات الدنيا كافّة، وكذلك كان التفسير الماركسي بسيطًا وشاملاً في الحرب العالمية الأولى فتلك الحرب الدموية ما هي إلا امتدادٌ للمنافسة التجاريّة، لكنّ البرجوازيّات المتنافسة اختارت التحالف ضدّ ألمانيا باعتبارها الخصم الأخطر مستقبلًا

هذا التفسير الاختزاليّ انهار مع تحوّل الحلف الشيوعيّ بين الصين والاتحاد السوفييتي إلى خصومة وعداوة وتمثّل بنزاعات حدوديّة من جهةٍ ومن جهة أخرى محاولة “ماو” الزعيم الصيني الشيوعيّ تشكيل جبهة عالميّة بقيادة بكّين ضدّ الاتحاد السوفيتي والرأسماليّة الغربيّة على حد سواء كما تفيد نظريّته في “العوالم الثلاثة“.

مفكّرو الاستراتيجيا المعاصرون –برأي بيير- لم يسعوا لمعرفة الكيفيّات التي يحدّد المجتمع فيها أعداءه، وإنما كان جهدهم منصبًّا على وصف الحرب باعتبارها سبيلاً لمواصلة السياسة بوسائل أخرى، وقد تكون هذه العبارة صحيحة بين دولتين متجاورتين قد انتهت العلاقة الدبلوماسيّة بينهما، إلا أنّها لا تنطبق على الحروب الأهليّة ومجازر الإبادة الجماعيّة أو على النزاعات الدينيّة، كما أنّ الحرب النوويّة لا تدخل في هذا الإطار، وهنا تجدُر الإشارة إلى أنّ الفكر الاستراتيجيّ –بطبيعته- لا يتأمّل في تفكيك العمق قدر اهتمامه في إدراك الظاهر وبناء السيناريوهات، فالفكر العسكري الاستراتيجيّ على سبيل المثال يهتمّ بالملامح البُنيويّةِ والخطط الاستراتيجيّة للعدوّ، وتوضّح التقارير الاستراتيجيّة حالة القوّات في العالم بوصفها مؤشّرًا على حالة التهديد أو التنافس أو الفاعليّة وذلك وفق كمية العتاد وتوزيع القوات وقدرتها على المواجهة بالإضافة إلى جدوى نظامها العمليّاتيّ عسكريًّا، إلا أنّ واحدًا من هذه التقارير –الغربية على الأقل- لم تصنّف الولايات المتحدة عدوًّا بالرغم من أنّ إنفاقها العسكريّ يبلغ نصف الإنفاقات العسكريّة في العالم منذ عام 1991 .

العدوّ خيار وليس معطىً من المعطيات المتوفّرة ذاتيًّا أو مُسبَقًا، هذا ما يخبرنا به كارل شميت وكي يحقق المرء أو المجتمع وجوده يجبُ أن يحدّد عدوّه ويحاربه، وحينها تغدو الحرب العمل السياسيّ المثاليّ، وبما أنّ الدولة تمثّل الشكل المكتمل للوجود السياسيّ فهي الأقدر على تسمية العدوّ وتحديده، لذا فإن شميت -بوصفه مفوّضًا للدولة في حقّ تحديد العدوّ- منح دعمه لهتلر الذي كان قائدًا للدولة وواضحًا في تحديد أهدافه، إلا أنّ أحد أهم عيوب نظريّة شميت هو إهمالُ المساءلة في آليّات اختيار العدوّ وتحديده والقواعد الإقناعيّة التي يسوّق لها لتوصيفه بذلك

مفكّرون آخرون مثل وليام كريستول وبول ولفوفيتز -اللذَين أدارا مناصب متعددة في إدارة جورج بوش الابن- تأثروا بالفيلسوف البنيوي ليو شتراوس الذي سوّق لمبرّرات فلسفيّة وأخلاقيّة لمفهوم الحرب الاستباقيّة، والتي هُندِست حرب احتلال العراق على أساسها، والتي صنّفت الدول المعارضة لها على أنّهم أعداء مُحتَمَلون للولايات المتحدة ومن بينهم ممن كانَ سابقًا حليفًا لها، ممّا سبّب تداخلاً بين تصنيفات الخصوم والمنافسين والأعداء .

2. الحرب والعدوّ من وجهة قانونيّة

في مسار تفكيك سؤالَي “ما هي الحرب، ومن هو العدو؟” تقدّم الرؤى القانونيّة أجوبة متعدّدة، فالحرب “نزاعٌ بين دولتين تملكان جيوشًا نظاميّة وهي فعل إراديّ”، ويسبق بدء الأعمال العدوانية إشارات ومقدمات مختلفة، ومنذ ذلك الحين يصبح الجندي غير مسؤول جزائيًّا عن الأشخاص الذين يتسبّب بقتلهم ضمن حدود قانون الحرب، وتضمن معاهدة جنيف لعام 1949 معاملتهم ضمن إجراءات معيّنة.

لا تتّفق سائر الدول والثقافات على هذا التعريف أو على التفصيلات الواردة في اتفاقية جنيف، فثقافة اليابانيين مثلًا ترفض الاستسلام والوقوع في الأسر وتفضّل الموت عليه، وبناءً على ذلك لم يكن لديهم مشكلة في قتل الأسرى أو منعهم من الطعام وتعذيبهم حتى الموت.

تعمَد الدول في الأعمال الحربيّة -الموجّهة لمواجهة خطر ما تحت أي بندٍ- إلى وصم أعدائها بصفات مختلفة تُفقِدُه هويّته القانونيّة، كأن تصفه بالثائر أو المتمرّد أو الإرهابيّ أو المتطرّف أو المخرّب، ممّا يضع التعامل معه في الحد الأدنى من الحقوق سواءً في الحرب أو في حال القبض عليه .

في السياق ذاته تظهَر معضلة قانونيّة في مشكلة اعتقال المدنيّين الذين يشاركون في الأعمال الحربيّة ضد دولة غازية لأرضهم، حيث يمكن أن يعامَل الفرد منهم كـ مجرم ويدان على أساس قانوني أو وفق تشريعٍ ما أو بابتكار فئة قانونية جديدة لتصنيف الأعداء كما فعلت الولايات المتحدة التي ابتكرت فئة “المحارب غير الشرعيّ” غير المعروفة في القانون الدولي، وذلك لتسويغ السجن والتعذيب والسجن التعسفي لعددٍ كبير من المعتقلين بينهم أطفال –مثل السجين في معتقل غوانتانامو عمر خضر- بدعوى أنهم إرهابيّون –دون تحديد من هو الإرهابي- أو لأنّ المعتقَل قتل جنديًّا أمريكيًّا أثناء الحرب .

لا يمكن الاقتناع بأن قانون الحرب ينطبق على أطراف القتال كافة، بل هو في حقيقته عمل أحاديّ الجانب يشابه منطق حكم القوي على الضعيف من ناحية حيث يكون جنود الطرف الأقوى محصّنين ضد العقاب، كما أنّه عصيّ على التطبيق في نواحي أخرى فتتوسّع دائرة المنخرطين المحصّنين فيه على نحو مفجِعٍ وساخر ليشمل الشركات الخاصّة كما في حالة الشركات الأمنية الأمريكية في العراق .

3. العداوة والحرب اجتماعيًّا

لم تفِ التفرّعات القانونيّة والسياسيّة بتوصيف العدو ولذلك كان لا بدّ من اللجوء إلى الفلسفة وعلم الاجتماع لبناء رؤية أعمق في فهم معنى العدوّ.

يلبّي وجود العدوّ حاجة اجتماعيّة، وعادةً ما يكون جزءًا من مُتَخَيَّل جمعيّ خاصّ بالجماعات على اختلاف انتماءاتها، فالعدوّ “أنا” أخرى نلوّنها بالأسود –بحسب تعبير المؤلف- ونجعلها عدوًّا مهدِّدًا ليبدو استخدام العنف ضدّه شرعيًّا ومسوَّغًا، ويشير الفيلسوف جان فرنسوا بايار في كتابه “وهم الهويّة” إلى أنّ الوقائع السياسيّة ليست موجودة بشكل مختزل وبسيط كما نتوقّع، وإنّما هي موضوعاتُ تفسيرٍ وفق “محدّدات معرفيّة وعاطفيّة ورمزيّة” خاصّة في كل مجتمع، ويشكّل المجال السياسيّ مسرحًا لفهم أهمّية أفعال الناس وصداها وإدراكها، وتدخل عمليّة صناعة العدوّ ضمن هذه الآليّة ، حيث يعاد به صنع وحدة الجماعة والهوية القوميّة، وتصبح الجماعة المعادية الكيان المُعدّ ليضحّى به.

يضرب المؤلف بباكستان والهند مثلاً واضحًا، فالبلدان لا يمكن لمجتمعاتهما أن تتوحّد بعرقيّاتها وهويّاتها المختلفة إلا بالعداء المتبادل، وكذلك فإنّ السياسيّين اليونانيين والأرمن يحتاجون لوجود عدوٍّ تقليديٍّ متمثّل في تركيّا لضمان وصولهم للسلطة .

ولا ينفي ذلك –بطبيعة الحال- أنّ هذا التحليل يصلُح في الديمقراطيّات التي يقع مواطنوها ضحيةً لدعايات الترويج “البروباغندا” الخاصة بها ، خاصّة مع الدعايات المحرّضة على القلق المستمرّ تحت دعاوى مختلفة كالأمن الغذائيّ والإرهاب والتطرّف وانتشار الأسلحة النوويّة والأمن المعلوماتيّ والجريمة المنظّمة والأمراض المختلفة بدءًا من نقص المناعة المكتسب وصولاً إلى الأنفلونزا والبدانة، حيث يمكن لمشاعر الناس أن تنهار أمام التنبّؤات والدعايات المتعلّقة بهذه المخاوف، ولذا لا بدّ من دعايةٍ مهدّئة تشير إلى العدوّ وتظهر النصر عليه في الوقت ذاته بهدف التغلّب على المخاوف الجماعيّة.

وهنا يأتي دور الإنتاج الإعلاميّ والسينمائيّ والأدبيّ في استثمار سوق الخوف وضخّ مسلسلاتٍ وأفلامٍ ورواياتٍ وتحليلاتٍ مستمرّة تُظهِر العدوّ وتعطي قرار الحسم بالانتصار عليه معًا كما هو الحال –على سبيل المثال- مع تشكيل صور رجال الاستخبارات الألمان والسوفييت الباردين الذين لا يمتلكون المشاعر، أو من خلال تصوير تنظيم القاعدة خطرًا أسطوريًّا والتركيز على هيئات الجهاديين الذين يعيشون في كهوفٍ من الماضي وهم يتحمّسون لإبادة الحضارة الغربية، وتصوير خصومهم -في السياق ذاته- أبطالاً يحقّقون معجزة النصرِ بالإصرار والصبر.

إنّ هذا التحريض ضدّ العدوّ المُتخيَّل كفيلٌ بأن يدفعَ قسمًا كبيرًا تلقائيًّا من مواطني الطرف الأقوى إلى تقبّل العنف الموجّه ضدّ أعدائهم وضدّ المناطق التي يعيشون فيها، فالعدوّ “أصبح عبارة عن كُلّ” ويمكن قتله وقتل من يعيش معه بشكلٍ شرعيّ، وهذا يُخبِرنا أيضًا أن العدوّ يُصنَع في سياقاتٍ اجتماعيّةٍ وثقافيّة في الدرجة الأولى.

تلعبُ اللغة دورها في تسويق الفعل الواحد على أوجهٍ متعددة فعمليّات التنظيمات الجهاديّة والميليشيات المختلفة هي “أعمال إرهابيّة” وقد ينتج عنها وقوع عدد كبيرٍ من القتلى نتيجة الاستهدافات التي تقوم بها، إلا أنّها ليست أفظع من القصف الجويّ ضد المدنيّين بالرغم من تسمية القصف بأنه “دقيق الأهداف”.

على المنوال ذاته يظهر مصطلح الإخفاء أو الاعتقال القسري، فإن توصيفه يتغير بتغيّر العدو، فإن كان الفاعل في أمريكا الجنوبية فيقال عنه “احتجاز رهائن” أما إن كان الفاعل “إسرائيل” فهو “اعتقالٌ إداريّ” أما إن كان الفعل من قبل جهاديّيّن فهو “عمل إرهابي” و”اختطاف” .

بناء على تطوّرات صنع العدوّ يأتي دور السياسي الذي يختار عدوًّا ويزيح آخر أو يؤجّله، فإيران –بنظر المؤلّف- أقل إرهابًا من دولة باكستان التي لديها سلاح نووي وتتمركز فيها عدة جماعات متشددة وتنظيمات إسلاميّة مسلّحة، إلا أنّ واشنطن التي اختارت التحالف معها جعلها في مصافّ الأصدقاء لا الأعداء، وكذلك يرى المؤلف أن السعودية أكثر تطرّفًا من إيران؛ إلا أنها على الرغم من ذلك حليف لأغلب الدول الغربيّة .

ب. المجد للحرب، هل من حرب عادلة؟

يسرد المؤلّف أمثلة مختلفة من الالتزام “التأليهيّ” للحرب، حيث يُقدَّس المحاربون من قِبَل المواطنين وكذلك تُقدَّس نتائج الحروب وذكرياتها سواء في القيمة المعنوية أو المادية من خلال نُصُب قتلى الحروب ومتاحفها، كما يُتغنّى بمجد المقاتلين الذين ينتصرون في معاركهم وإن كان فيها إبادة جماعيّة للخصوم.

الحرب ممجدّة أيضًا علمانيًّا ولكن بشكل مختلفٍ عن التمجيد العقائديّ والدينيّ، ففرنسا تمجّد معارك نابليون في أوروبا، على الرغم من رفضِ الدول التي غزاها لهذه المعارك، حيث تسهم احتفالات الانتصارات والهزائم والذكريات على حدٍّ سواء ببناء التصوّرات الجماعيّة لهويّة المجموعات المستهدفة، وكذلك تقوم أنظمة الدول بأجمعها بزيارات رسميّة لنصب الجندي المجهول، إلا أن إحداها لم تدشّن تمثالاً يلعنُ الحروبَ ويرفضها، ويعود ذلك إلى أن إقامة مثل ذلك التمثال يوحي بإهانة لتضحيات المحاربين.

وكذلك نرى الدول والأنظمة تسوّغ الهزائم، فمقتل الجنود أو انسحابهم يغدو ملحمة مع تقادم الزمان، وما هي إلا قراراتٌ رسميّة وبعض الزمن حتى تمحى المسؤوليّة في ذاكرة الأجيال بالتوازي مع العمل على ترسيخ طرفٍ ما باعتباره يرمز للعدوّ .

يمكن تعريف الحرب بأنها ضرورة للتطهير، ولذلك فإنها كثيرًا ما تأتي كخلاصٍ بعد الهزيمة أو الإذلال، ويضرب المؤلّف لذلك أمثلة لانضمام بعض الديمقراطيّين إلى صفوف الجمهوريين إبّان فشل جيمي كارتر في حلّ مسألة الرهائن في السفارة الأمريكية في إيران، كما ينتمي كثير من المحافظين الجدد إلى جيل صدمة الهزيمة في فيتنام، ولذا فإنهم ينتقدون صدمةَ دبلوماسيّة حقوق الإنسان، ويرون أنّ الحلّ يكون برفع الإنفاق على خطط التسليح وتفوق الجيش، وكذلك كانت حرب 1967 سببًا للجرح النرجسي الذي أصاب الاشتراكيّين العرب وبدا ذلك دافعًا لالتفات مجاميع كبيرة من الشباب نحو الإسلام فيما عُرف بجيل الصحوة لاحقًا

عادة ما تُستخدم شرعنة القوة بهدف البرهنة على أن “الحرب عادلة” نظرًا للأهداف التي قامت من أجلها كـ”التحرير” أو “جلب الديمقراطيّة”. ويرى كارل شميت في هذا السياق أنّ الحرب العادلة يجب أن ترتكز على عدالة القضية وليس على أفكار الأمراء والملوك كما كان الحال في القرون الماضية، وذلك لأنّ عدالة الحرب تفسح المجال لحربٍ غير محدودة نظرًا لعدم اعترافها بشرعيّة العدوّ، بينما ترتكز حروب الأنظمة الملكيّة على النزاعات مع ملوك آخرين.

تتطلّب فكرةُ عدالة القضيّة تفسيرًا معمّقًا ولتسويغ العداوة لا بدّ للطرف الآخر -أي العدوّ- أن يظهر نفسه من خلال أفعالٍ عدوانيّة، وهو ما احتجّ به رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير حين ادّعى أنّ نظام الرئيس العراقي صدّام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل وصواريخ يمكن نشرها خلال خمسين دقيقة، ويلفت النظر إلى أن الجهاديين الذين قادوا الطائرات لضرب البرجين كان بإمكانهم قتل عشرات الآلاف من الناس لو كان بأيديهم أسلحة كالتي يملكها صدام، ولذا فإنّ على بريطانيا -وحلفاءها- أن تتحرّك قبل أن تقع في أيديهم .

لو أخذنا الحرب التي قامت بها الولايات المتحدة في العراق فإننا نجدها تحت بند الحرب الاستباقيّة التي استفاد المحافظون الجدد من تنظير كلٍّ من كارل شميت والأنثروبولوجي ليو شتراوس لها، فقضيّة الحرب العادلة تنطلقُ تحت بند المصلحة العامة والخطر المهدِّد، وهو ما استطاعت الولايات المتحدة الترويج له من خلال مصلحتها في القضاء على نظام الدولة المارقة.

يلفت بيير أن هذا الخطاب أعان على ظهور مصطلحات مختلفة كالأسلحة الذكية، أو معارك “صفر ضحية” بغية التأكيد على أن هذا النوع من الضربات الاستباقية قابلٌ للسيطرة عليه تمامًا، فلا تأثيرات جانبيّة على المدنييّن، وإن تمّ فيكون متدنّيًا لأقصى الدرجات، ويمنح الجنود مسافة أمان وحماية قصوى قبل الدخول في المعارك، ولكن الحال أن هذه الأسلحة المناسبة لمكافحة الإرهاب أثبتت أنها تقتل كأي وسيلة حربيّة تقليديّة أخرى، فحين تُلقى قنبلة تزن نحو 500 كغ على منزلٍ يسكنه “إرهابيّ” في غزة أو باكستان فإنّ “منزله” و”حيّه” وكلّ ما حولَه يتم تدميره كما يسقط نتيجة ذلك عشرات الضحايا؛ إلا أن هذا لا يشكّل عائقًا أمام الذهن الأمريكيّ الذي اخترع نظريّة العنف الضروري والمقبول .

بناءً على ذلك يمكن أن يكون التعذيب متاحًا وقانونيًّا لأن معتقلي “الإرهاب” ليسوا جنودًا أو دولة، ولذا فهم محاربون غير شرعيّين لا تُطبّق عليهم اتفاقات جنيف، كما تتحوّر حروب العصابات تحت هذه الأفكار من حروبٍ غير تقليديّة إلى حروبٍ هجينة أو غير متناظرة، ويشكّل قربُ أي تهديد عاملاً يسمح باستخدام القوة، وهنا تؤدّي وسائل الإعلام دورها في إقناع الرأي العام بقوة هذا التهديد وفوريّته، كما تتيح التسويق للأكاذيب كالإعلان عن الصلة التحالفيّة بين بن لادن وصدام حسين أو قرب امتلاك قنبلة نووية لإيران منذ عام 1994 ثم عام 1996، ثم 2000 ثم 2006، ثم 2011، ثم 2014، ثم 2019 .

ج. من يحدّد العدو؟

1. جهات تحديد العدوّ 

ذكر المؤلّف في كتابه جهات عديدة تعمل على تحديد العدوّ وتقديم نصائح وسيناريوهات التعامل معه، أهمّها “مؤسسات التفكير الاستراتيجي“، حيث ازدادت أهمية هذه المؤسسات في الدول الغربية التي تعمل لصالح وزارات الدفاع بشكل لا سابق له زمن الحرب الباردة، وكان مهمتها توصيف التهديدات، وفهم آليات التهديد، وتحديد صاحب التهديد وطرق التعامل معه .

وُلدت أولى مراكز التفكير تاريخيًّا في الولايات المتحدة، وبات عددها يزيد الآن عن 1500 مركز، تؤسّس لشبكة قوية ومهمة بين نحو 5465 مركزٍ يعمل في 170 بلدًا، وهذا يشير إلى أنّ نسبة المراكز الأمريكية في العالم تصل إلى 58% من مجموع مراكز التفكير الاستراتيجي، وجلّ هذه المراكز أنشئ بعد إسقاط جدار برلين، أي في السنوات الثلاثين الماضية.

تستثمر الولايات المتحدة في “سوق الأفكار” أكثر ممن سواها، فقد أنفقت في عام 2008 نحو 561 مليون دولار على ثمانية من المراكز العشر الأوائل التي لديها، مقابل 112 مليون دولار أنفقت على معظم المراكز الاستراتيجيّة في أوروبا، ويلفت المؤلف النظر إلى أن أعداد الباحثين في هذه المراكز يفوقون نظراءهم في أوروبا، فباحثو مركز راند الشهير يتفوق عددهم على الباحثين في كافة المراكز الأوروبية، بالرغم من أن ميزانية مركز راند أقل من ميزانية مراكز أخرى في الولايات المتحدة؛ كمركز ميترا التابع لوزارة الدفاع الأمريكية والذي يخصص له سنوياً قرابة مليار و300 مليون دولار.

بالرغم من ذلك فإن هذه المراكز تعمل على بحث عُقَد محددة دون فهم كافة التيارات والمذاهب والأفكار الموجودة في هذه النقاط الجغرافية، مما يجعل حكمها القيمي على هذه المناطق متحيزًا .

تعتمد الأنظمة التسلطية على رأي الزعيم والحزب الواحد اللذان يقودان كل شيء، حيث يتمّ التهميش السريع للمثقفين الذين ينقّبون في العمق وينقدونه، وعليه فإن الخطاب المقبول هو ما يكون تكرارًا للخطابات الرسميّة ، وهذا بطبيعة الحال يشير إلى أن هذه الأطراف لا تفهم بعضها البعض، فالغربي يفكر من حيث موقعه القوي دون الأخذ بعين الاعتبار قضايا الآخر، والآخر يكرر رؤية الحاكم.

2. توجيه الرأي العام نحو الأعداء 

يمثّل نشر الأفكار رهانًا كبيرًا، ولذلك فإن طرقًا مختلفة تتبعها الديمقراطيات والدول لتسويق رؤاها بدءًا من دور المراكز الاستراتيجية في صناعة الفكرة وتوجيه صُناع القرار لها والترويج لها في مراكز الفكر العالمية الأخرى  مرورًا بدور الاستخبارات في تكوين شبكات جمع المعلومات وتحليلها وتسريب معلومات أخرى إلى جهات معينة لاستهداف أعداء معينين –كتسريب معلومات للمقاومة الأفغانيّة لاستهداف السوفييت- أو بهدف إجراء انقلاب ما –يذكر الكاتب أن CIA أعانت في إجراء خمسين انقلاب في العالم نجح كثير منها وفشل بعضها الآخر-  وصولاً إلى الكُتّاب والمحللين والإعلاميين الذين يسهمون في تكوين الرأي العام ودفعه للتعبئة والتحشيد تجاه مسألة ما، سواء كان ذلك بروايات أسطورية أو أيديولوجية أو قومية أو محض اختراع لا يستند إلى دليل، مما يشكل مادة للصحافة والسينما التي تستثمر في سوق الخوف والقلق وتزيد من جاهزية الشعب لتصديق التهديد القادم من “العدوّ” .

يقوم فنّ التحريض والتوجيه على عالَم معقّد ومتماسك من القواعد والتركيبات، وهنا لا بد من نوابضَ تحمل هذا الخطاب وتجعله مقنعًا يتمتّع بالعقلانية .

أوّل هذه الأفكار هي: “كل شيء استراتيجي“: فالخطاب علميٌّ وله موضوعات قابلة للقياس، ويعتمد مصطلحات دقيقة مثل “رقعة الشطرنج” و”أحجار الدومينو”، حيث تُستخدم هذه المصطلحات للبرهنة على خطر العدوّ وتهديده، والمهمّة هنا هي “استثارة الوعي” .

أما الاستراتيجيّة الثانية للاستثارة فهي التأكيد على أن “كل شيء مجازفة” فأي تأخير في الاستجابة لما يهدّد الوطن هو مجازفة بأمانه، وذلك مسوّغ للحركة أو الحرب الاستباقيّة قبل وقوع الخطر، إلا أنّ الأمر يبقى دومًا على خلاف ما يُسوّق فتنبؤات الستّينات أشارت إلى أنّ عدد الدول التي ستكون لها قدرة نووية في عام 2000 ستبلغ 25 دولة، إلا أنّ عددها في واقع الحال لم يتجاوز تسع دول فقط .

ختامًا تظهر “الازدواجية” واحدة من أهمّ استراتيجيّات التحريض وصناعة الرأي العام في تقييم الأحداث، فلا مشكلة في التعامل مع دولة متطرّفة حين تكون حليفة، إلا أنّ تعامل دولة ما مع دولة أخرى عدوة أمرٌ يسهم في زيادة التوتر ويهدد الأمن العالمي، وحين تأتي الانتخابات بخصم لا يرغب العالم في التعامل معه فإن الديمقراطية تكون خطرًا، في حين أنّ الديكتاتورية التي تورّث الحكم من الوالد إلى الولد توصف بأنّها ضرورة يجب التعامل معها لحفظ الاستقرار، وكذلك فإن التحالف ضدّ العدوّ ضرورة لا بدّ منها لأوروبا وأمريكا في وجه التحالفات الأخرى، إلا أن حلف الناتو لا يعرّف عدوًّا محدّدًا منذ انهيار حلفي وارسو والاتحاد السوفييتي .

 

ثالثًا: تصنيف العدو 

إن كان لا بدّ من بناء عدوّ فلا بد من اختيار تصنيف يندرج تحته، وضمن هذا الإطار يقترح بيير عدّة تصنيفات لحالات الحرب وسيرورة صناعتها، بدءًا من:

1. “العدو القريب” أو الجار الذي يتم التنازع معه تقليديًّا حول خلاف حدوديّ، فتكون “الأرض” قضية النزاع وسبب الحرب هي “نزع الملكية” بعنف .

2. أمّا “الخصم العالميّ” أو “المنافس الكوكبي” فيأتي بسبب التنافس في السياق العالمي، كحالة الحرب الباردة، أو تنافس الدول الاستعمارية على النفوذ في العالم، وتكون الحرب ههنا إظهارًا للقوة بهدف السيطرة على مساحات من خرائط النفوذ .

3. ثالث التصنيفات هو “العدو الحميم” ويقصد بيير به الحروب الأهلية، حيث يكون الآخر جزءًا من الأرض الواحدة، وعلى الرغم من أنهم كانوا يعيشون في سلام ظاهريًّا على الأقل، إلا أن الحرب تبدأ بكلمات ثم تتحوّل إلى إطار “اقتُل قبل أن تُقتَل” على مبدأ التطهير الفصامي .

4. أما التصنيف الرابع فهو “العدو الهمجيّ” أو ما يراه المحتلّ للشعبِ الذي يحتلّه، وحينها يكونون برأيه “متخلّفين لا يفهمون سوى لغة القوّة” ويكون قمعه “الطريق لإحلال السلام” .

5. إلى جانب هذه التصنيفات ثمّة تصنيف خامسٌ يتطرّق الكاتب إليه، وهو “العدوّ المحجوب” المتخيَّل من خلال “نظريّة المؤامرة” وتكون الحرب ههنا برأيه نتيجة رُهاب هذيانيّ يتمظهر بشكل دمويٍّ منتظمٍ .

6. في التصنيف السادس لا بدّ من التطرّق للعدوّ ضمن نظرية “حرب الخير ضدّ الشر” أو حرب “القضيّة العادلة” فإنها لا تقتصر على النزاعات الدينيّة، بل تدخل فيها أيديولوجيا الأنظمة الشموليّة، حيث يستهدف إلغاء أي تهديد من الآخر بوصفه شيطانًا يحتاج طرده إلى عمليّة تطهير.

7. الحرب “الاستباقيّة” ضد “عدوٍّ متخيَّل أو مُتصوّر” هي حرب وقائيّة، تكون الدعاية الاستراتيجيّة فيها ضرب العدوّ في أرضه قبل أن يصل إلى خصمه، رغم أنه لا يجاريه قوةً أو عددًا، ولكنه يحتاج لمحاربته ليُطلِق صراعًا شاملًا، كما في حالة الحرب ضد الإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل .

8. وأخيرًا ثمة “عدوٌّ إعلاميٌّ” وقد تشكّل هذا النمط بشكل واضح بعد الحرب الباردة، وتتفوّق في هذا النمط “الصورة” على النص، ويقود تحديد هذا الصنف من التهديد مثقّفون وإعلاميّون وأشخاصٌ يعملون في المجال الإنساني، أي أنه لا يتشكّل عبر مراكز التفكير الاستراتيجيّة .

 

رابعًا: هل يُمكن تفكيك العدو؟

يرى فيها المؤلّف أنّه من الممكن العيش دون عدوّ، فما دام العدوّ مصنوعًا ومبنيًّا بجهود واستراتيجيّات مختلفة فمن الممكن تفكيكه استنادًا إلى استراتيجيّات مختلفة .

يسرد بيير في الجواب عن سؤال “الكيفيّة” عن ذلك أمثلة واستراتيجيّات عديدة ضمن أساليب حلّ عدد كبيرٍ من النزاعات التي شهدها العالم، فيرصد حالات المصالحة والاعتراف بالمسؤولية كما فعلت ألمانيا 1945، حين اعترفت بالمسؤوليّة عن التسبّب في الحرب العالمية الأولى  ويشير إلى اتّفاقات حلّ النزاعات الحدوديّة، ولعلّ أبرز الأمثلة على ذلك اتفاقيّة شينغين التي فتحت الحدود بين الدول الأوروبيّة فمن خلالها زالت الخلافات الحدوديّة بين ألمانيا وفرنسا، وصارت حدود فرنسا اليوم هي مطار شارل ديغول، أو من خلال اتّفاقات النسيان المتبادل كما في حالة الاتفاق المحلي بين السلطات والمقاتلين في الجزائر أو الاعتراف كما في حالة اعتراف المنخرطين في الحرب الأهلية الإسبانية بجرائمهم، أو تطبيق العدالة وهي نوعان:

1. العدالة الترميميّة: وهي اقتصاصية تهدف لإقامة العدل بحق مرتكبي الجرائم الجماعية.

2. العدالة التعويضية: وهي غير اقتصاصيّة، فتهدف للانتقال من حالة الحرب إلى السلم.

بالتوازي مع ذلك يشير المؤلف إلى سُبل أخرى للخروج من حالة الحرب والعداوة كخطاب رفض الحرب والنسيان ولو كان أحادي الجانب .

 

خامسًا: خلاصة وخاتمة

يعدّ بناء العدوّ عمليّة اجتماعيّة وسياسيّة وبهذا المعنى فإنّ مسؤولية النخب السياسيّة والثقافية أكبر وأكثر دلالة في سياق صناعة الحرب والترويج لها، ومن الممكن ألا يكون للدكتاتوريات نواياً عدائية أو حربية تجاه جيرانها أو الآخرين، في حين أن بعض الدول الديمقراطية تبني طموحاتها المستقبليّة على التوسّع في النفوذ والاستعداد للحرب رغم أنّ ميثاقها الاجتماعي يدّعي المساواة والسلمية وحرّيّة الرأي.

يرى المؤلّف أنّ قطاع صناعة العدوّ في المستقبل سيكون قطاع إنتاج ضخم على الرغم من قناعته بأنّ الحرب ليست أمرًا حتميًّا، وإنما هي نابض للسلوك البشري يمكن التخلّص من اهتزازاته ببذل مزيدٍ من الجهد قبل شنّ الحروب والذهاب إلى ساحة القتل ممّا يسهم في استباق أسباب النزاعات وتقليصها.

بالمقابل من ذلك يمكن أن يؤدّي السياسيّون والمسؤولون والمفكّرون دورًا أساسيًّا في آليّات تفكيك العداوة، كما فعل نيلسون مانديلّا على سبيل المثال بالتخلّي عن الانتقام من زعماء نظام الفصل العنصريّ وذلك في مثال عمليّ على إمكان تلاشي دوافع الانتقام عبر الاعتراف وأخذ زمام المبادرة بالصفح .


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...