على بوابة الإخوان

هناك كان الله حاضرا ذاك النهار ..

كان الله حاضرا حقا وأنا لمسته هناك بأم روحي و هو يحضنني .. ذاك النهار ..

كيف الرب يقترب منك ويستجيب لك قبل أن تدعوه ..

أليس هو الله ؟ وأنا كنت أعرفه حينها جيدا وكنت موقنا أنه سيفعل ..

حي “المعاضيض” بالرباط قد يكون من أفقر أحياء العاصمة .. وقد نبت على هامش حي التقدم ، يعانق “دوار الحاجة” من خلف المستنقعات والمزابل التي تلف خصر المدينة الخلفي قبل “عكراش” .. وهذي منازل حي النهضة تتمدد أمامك وسط الثمانينات ، تطل عليك مساكن النهضة الجميلة قريبة جدا لكنها تبتعد قرنا وألف فرسخ عن قذارة حي “المعاضيد” ودروبه التي تشبه المتاهة وهي شبه مساكن عالقة بالخطإ في كدية تصل مجاري الوادي الحار الخلفية للرباط بالهواء النقي للحي الإداري وهلم رباطا ..

(( لا كتاف لتمارة ولا وجه للسعاية )) ..

ولاكن كاين الله .. وإيمان ويقين بحجم الجبال الراسيات ..

كان سي محمد أكثر من أخ وهو يشاركني نفس الغرفة التي نكتريها على سطوح منزل قريب من مكان دراستنا .. شاب أنيق جدا يتجاوز سنه بكثير ، جدي جدا متفوق جدا ضحوك جدا رياضي جداجدا بكاء جدا جدا جدا ، تشهد دموعه وهو كل ليلة يداعب القرآن الكريم تهجدا وترتيلا و صلاة .. سي محمد شاب لا يمكن ألا تلتفت إليه بكل حضوره المتميز رغم مسحة الحزن التي تسكن عينيه لمن ألقى إليه السمع وهو شهيد .. هو حزن عميق يختلط بكثير من الخوف وقد عانى من حالات رعب حقيقية طيلة العامين السابقين بعد أن تم استدعاؤه لمرات في حملة اعتقالات الإخوان .. استنطاقان كانا على فترات متباعدة دون اعتقال ، لكنه أصبح يرى أشخاصا يكلمونه في الحافلة التي تنقله كل يوم إلى دراسته بعيدا عن سكن أبيه في “حي الجنانات” .. لقد أصبح سي محمد يسمع أصواتا غريبة ويدخل في نوبات بكاء لا يتجاوزها إلا بالقرآن الكريم رفيقه في كل حين .. كنا معا نشترك في نفس اللباس و نفس حصص الخرجات الرياضية ونفس السفريات إلى بيتنا في مكناس .. سي محمد كان حقا أكثر من أخ فعلا في زمن الأخوة حقا ..

وكان قدرنا معا باعتبار قرار الوزارة إقفال شعبتنا العلمية ، أن ننتقل الموسم الموالي كي نتم دراستنا في الرباط .. وما أدراك ما الرباط ..

هل يمكن أن تقضي سبعة أشهر في الرباط بمبلغ 200 درهم فقط ؟؟ نعم ب ربعالاف ريال فقط ؟؟ أيوة ممكن وممكن جدا جدا ..

قبل الساعة الثامنة صباحا يوم 16 شتنبر 1986 وصلت الحافلة لمحطة القامرة والطريق إلى السويسي ليس بعيدا جدا ، ونحن يجب أن نوقع محضر الدخول اليوم .. وفقط ربعالاف ريال هي لي كتدور ف الجيب فعلا ..

كنا أنا و سي محمد مثل بدويين في باريس ونحن نبصم أولى خطواتنا في الرباط .. حاولنا الحصول على غرفة للإقامة في داخلية المركز الجهوي لكن السيد المدير قال أن كل الغرف محجوزة ، وما علينا سوى التسكع واكتشاف المكان في انتظار فرج رب العالمين .. والسلام ..

مكان المدرسة العليا للأساتذة السويسي جميل جدا و هي في قلب غابة هيلتون قريبا من سفارة الصين .. هؤلاء الشينوة منظهرهم غريب كل لحظة وهم بقاماتهم القصيرة وبشورطاتهم الضيقة يهرولون صباح مساء داخل الغابة كما عادة القوم المتحضرين ممن يمارسون الرياضة الشيك وليس مجرد رياضة التحنقيز والجري و صافي ..

من داخل الغابة يسهل اختراق الشوارع الضيقة نحو حي التقدم ، وهناك فقط يمكن أن تجد غرفة رخيصة للكراء .. كان يهمنا فقط أن نهيم على وجهينا ونكتشف هذه العوالم الجديدة .. كان آذان الظهر قد اقترب وأقرب مسجد سمعنا صوت مؤذنه لا يبعد كثيرا عنا بجوار المدرسة العليا للأساتذة التقدم ..

هناك كان الله حاضرا ذاك النهار ..

كان الله حاضرا حقا وأنا لمسته هناك بأم روحي و هو يحضنني .. ذاك النهار ..

كيف الرب يقترب منك ويستجيب لك قبل أن تدعوه ..

أليس هو الله ؟ وأنا كنت أعرفه حينها جيدا وكنت موقنا أنه سيفعل ..

انتهينا من الصلاة وأنا منحن أحزم رباط صباطي ، وإذا بيد أحسها على كتفي ..

– السلام عليكم أخي .. هل أنتم طلبة جدد هنا

– نعم أخي وهذه أول مرة نأتي إلى الرباط

كان السي بوشعيب شابا طويل القامة تبدو عليه حروشية رجال دكالة وفطريتهم .. كان عمره في نهاية العشرينات بينما عيناه تضمان حكايات ألف سنة و سنة ..

– ياللاهو تتغداو معنا ومدبرها حكيم ..

التحق بنا بباب المسجد الأخ عزيز وهو يدرس مع بوشعيب في نفس التخصص و لم تبق لهما إلا سنة واحدة للتخرج .. عزيز يعرفه الجميع في منطقة الغرب وهو من قيادات الجماعة الاسلامية المشكلة حديثا مادام يحفظ القرآن الكريم كاملا وهو من خطباء مساجد المدينة ..

صرنا أربعة إذن ونحن ننزل الدروب الضيقة لحي المعاضيض حيث يكتري بوشعيب وعزيز منزلا صغيرا من ثلاث غرف ضيقة ، ضيقة جدا و غير نظيفة فعلا ..

لكنها تكفي قبيلة شباب من طينتنا لا يزعجهم شيء من ماديات الدنيا ، أو تقريبا ..

طبسيل عدس ساخن وبراد أتاي من صنع السي بوشعيب أرجعنا للحياة من جديد وأدخلنا في رحلة كشف جديدة للإنسان و للدين و للسياسة وللثورة وللبشر وللعالم ككل ..

لقد كان لطبسيل العدس ما بعده ..

– مرحبا بكما خويا سليمان و الدار داركوم .. لا تفكروا في أي شيء

– لا يهم متى ستتوصلوا بمنحتكم الدراسية ..

– سنقتسم كل شيء إلى أن يفرجها مولاي الكريم ..

واقتسمنا سنتها حقا أجمل سنين العمر نقاوة وطهارة و دراسة و جدا و مسؤولية وأحلاما بلا نهاية ..

سبعة أشهر بلا منحة حتى شهر مارس وأنا زاوي الريال ما كايضورش .. لكن لم أحس لحظة أني أحتاج شيئا .. ( واكل شارب ناعس قانع راضي ) .. بل من لحظة طبسيل العدس ، لم أضطر للعودة إلى مكناس حتى .. فما كان عندي ف صاكي الصغير من ملابس يكفيني وأكثر ، أما سي محمد فاضطر للعودة عند أمه التي تعيش منفصلة عنهم لطمأنتها والتزود لرحلة التقشف الطويلة ..

أصبحنا ستة طلبة في البيت بعد أسبوع .. وستكشف لنا الأيام أننا كنا نمثل في هذا السكن الصغير كل البلاد بل كنا بكل ألوان الطيف الحركي والإسلامي وربما العالمي الموجود أنذاك ..

** عزيز إبن منطقة الغرب فقيه البيت و كبيرنا سنا ، كان متزوجا حينها وله أبناء كثر .. فقيه البيت المثقف وخطيب الجمعة الرزين الذي يخوض تجربة الانتقال من الشبيبة الاسلامية إلى الجماعة الإسلامية وبن كيران الحاضر من يومها وبين الفينة والأخرى نحضر معه دروس المساء في المسجد المحاذي للمدرسة العليا التقدم التي يشتغل فيها معدا داخل مختبر الفيزياء .. وما أدراك ما الحديث عن بن كيران زمنها و ألف شبهة تحوم حوله ..

** سي بوشعيب ابن دكالة الذي يكتب الشعر و كل مساء يتحفنا بدواوين أحمد مطر ولافتاته بينما دردشاتنا مع علي شريعتي والسيد حسين فضل الله لا تنتهي .. وكل جمعة نتسابق على مجلة العالم اللندنية التي كان ينشر مقالاته فيها بين الفينة والأخرى ..

** السي وفيق الجميل الجميل حقا ابن مدينة سيدي سليمان كان رجلا طويل القامة فعلا ونحيف البنية .. كان من عشاق السي عبد السلام ياسين ويزوره كل حين .. وفيق المتماهي مع أسرة الجماعة و المنهاج النبوي، تفانيه في خدمتنا بلا حدود .. لم أكن أعرف متى كان وفيق ينام فكلما صحوت ليلا وجدته مكوما في سلهامه ، جاثيا على ركبتيه وهو غارق في الصلاة والأذكار إلى أن يقترب الفجر فيقوم بتسخين الماء وهو من كان يوقظنا للصلاة .. وفيق لم يكن إبن هذه الدنيا ولذلك سرعان ما رحل إلى ربه بعد سنوات قليلة ، تاركا صورته تسكن الروح وهو ساجد وكثيرا ما تخنقه الدموع وهو يكلمني .. كنا نحلم كثيرا فعلا .. الله يرحمك يا وفيق ..

** أخونا عبد الكبير كان وزير اقتصاد البيت وهو المكلف بكل ما له علاقة بالمصروف والكراء والأكل وقضاء أغراض المطبخ والتنسيق مع أمي فطيمة العجوز التي تواضب على جلساتها مع جماعة التبليغ ، وتشرف على بيتنا مثل أم لنا جميعا مقابل خمسين درهما كل عشية جمعة يسلمها لها سي عبد الكبير .. كنا نحن الستة نسلم عبد الكبير مبغ 300 درهم شهريا لكل منا بما يناهز 1800 درهم وعليه أن يؤدي منها سومة الكراء ويملأ معداتنا كل يوم طيلة شهر طويل عريض .. كان شابا صموتا لا يتكلم كثيرا وهو القادم من جبال الريف الشرقية .. هل سمعتم بحركة إسلامية إسمها جند الله .. الجند .. الاتجاه الرسالي .. نعم لقد كان سي عبد الكبير ينتمي حينها لهذه الحركة السرية أنذاك .. سيصير إسمها الإختيار الإسلامي وهي ما سيتولد عنها فصيلا البديل الحضاري والحركة من أجل الأمة فيما بعد سي عبد الكبير سيصير اسما إسلاميا كبيرا في البلد بعد أن غير انتماءه ولازال الرجل هو الرجل وابتسامته الطفولية ، التي تشق حزنه الراسخ في قسماته ، لا تغادره أبدا ..

** السي رشيد من لا يعرفه حينها وبحكم بعد ديور الجامع عن التقدم كان يتناول وجبة الغداء معنا مرات كثيرة ..رشيد الوقور إبن الشبيبة و جماعة التبين و رفيق عبد الرزاق المروري رحمه الله .. مرهو أيضا من بيت حي النهضة الذي ياما شهدت أيام جمعاته قصعات كسكس خطيرة يغدقها علينا بعض أساتذتنا ممن كانوا ينتمون لحركة الطلائع الإسلامية وأحاديث عصام العطار وهذه حكاية أخرى ستأتي تفاصيلها بعد حين ..

في شهر فبراير انتقلنا للسكن في حي التقدم جوار مسجد أم كلثوم لنجد أنفسنا مضطرين للرحيل مرة أخرى والسكن في بيت جميل وحديث في حي النهضة نهاية العام قريبا من منزل السي الحسني رحمة الله عليه ..

أما صديقي السي محمد فقد ظل في منطقة الوسط لا يغادرها أبدا ، ينفر من كل انتماء أو التزام ومسؤولية قبل أن يقوده طرف د الخبز إلى قدر آخر كي يصير أستاذا جامعيا ثم يطلق مهنة التعليم نهائيا ويتفرغ لمقاولاته الكبيرة والمتعددة في البناء وآخر صيحات سيارات المازيراتي واللامبورغيني وشوية شلاضة سيارات بي ايمات وهلم تفطحا ..

بينما أنا كنت سنتها لازلت مواظبا على جلسات المجلس التربوي ثم المجلس التعليمي لأسرة الجماعة كلما عدت إلى مكناس حيث آوانا بيت السي علي لأكثر من سنتين ولازالت أركان الصالون تذكر قيامنا وصلواتنا كل حين .. وهذا الصيف له طعم خاص إذ كنت على موعد مع اللقاء الشهري لمجلس الإرشاد ببيت الأستاذ السي عبد السلام ياسين رحمه الله في حي السلام بمدينة سلا ..

الطريق إلى سلا مر بسرعة البرق والنقاش بلا حدود مع الأخ مصطفى مياز .. بعدها بسنوات ستسرقنا طرق جديدة أخرى .. كل يبحث عن خلاصه الفردي ..

ليلتها وباستثناء كلمة ترحيبية قصيرة ظل السي عبد السلام ياسين صامتا طيلة اللقاء بينما تكلم الاستاذ البشيري رحمة الله عليه كثيرا وصوته الحاد يغطي على حركات يديه .. السي العلوي لا يمكن ان تخطئه عيناك كي يتسلل إليك رحمة الله عليهم جميعا .. كل وجوه مجلس الإرشاد كانت هنا .. أتذكر لحظة البوح بالرؤى لكل واحد ومدى الإحراج الذي أحسسته حينها، قبل الخلوة مع السيد عبد السلام ياسين وحديث على انفراد سيطلب مني صبيحتها أن أعود عنده بعد العصر من نفس اليوم .. الأمر الذي سيظل عالقا في الذاكرة بكل التفاصيل ..

كنت أحمل معي عشقا بلا نهاية وإيمانا بلا حدود وأحلاما تتجاوز السماء ..

ومعهما كنت أحمل ألف سؤال لم أجد لها أجوبة لحدود تلك الساعة


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...