لماذا خرجت من سوريا1

قبل أن اشرع في ذلك أود ان اذكر أن الخروج الجسدي سبقه الخروج على مستوى الفكر والتصور؛ وكانت الشرارة انني بدأت إطلع على وجهات النظر المختلفة للتيار الجهادي حينها؛ فما كان يربطنا به هو كتابات المنظرين الجهاديين ورسائلهم وتغريداتهم؛ لكن لما اتسع الأفق بالنظر من زوايا مختلفة وتفسيرات متعددة ادركت سعة الفضاء واتساع رقعة الاجتهاد وأن الدوغماطية واليقين في أقوال أولئك هو الذي يمنع من التحول والتحور عن مسارهم، وإعمال العقل في طريقتهم في التغيير والإصلاح ومعالجة قضايا المجتمع، فتتعطل الملكة النقدية لدى الإنسان إزاء ما يصدر عنهم ومدى واقعيته وعواقبه. كثر ف الاونة الاخيرة اللغط حول خروجي من سوريا من بعض المحسوبين على حركة شام وطرح تفسيرات ساذجة وسطحية: كالهروب والجبن والانتكاسة….اقتبس في هذا المقام الأسلوب القرأني: ومانقموا منهم إلا أنهم لم يخوضوا في الدماء المعصومة والمحرمة” .كما هو معلوم ف الهيئة منذ فترة طويلة وهي تنهج أسلوب التغلب في التعامل مع المكونات الثورية التي تتقاسم معها الجغرافية(الشمال السوري) فهي قاتلت كل هؤلاء ووظفت جملة من الذرائع الشرعية لاستباحة دماء المسلمين والثوار ؛ فمعلوم للجميع حرمة الدم الحرام وعقوبة فاعل ذلك وموقف الشرع منه؛ واخيرا وليس اخرا ما جرى في قرية تلعادة خير شاهد على ذلك. لما انظم ورثة حركة شام للهيئة بقايا المغاربة -الذين هم على اطلاع بآراء “ابو احمد” في مثل هذه النوازل ومع ذلك نكصوا على اعقابهم وخالفوا نهجه في الابتعاد عن الخوض في الدماء- فهم فعليا باؤوا بتلك الأوزار من جهة المشاركة الميدانية في القتال ومن جهة السكوت ووضع الرأس في الرمال تحت دوافع مادية وتاويلات فاسدة. والعجيب أن الحجج التي قاتلت على أساسها خصومها وقعت فيها! ايهما افضل الخروج ام التورط في الدماء؟ لماذا خرجت من سوريا 2:

تزامن في الفترة التي مهدت لقرار الخروج جانبين الأول نظري: تمثل في إعادة بلورة أفكاري من جديد ومراجعة المسار حيث تبين لي عقم المشروع الإسلامي ف سوريا وتناقضه مع بدهيات الفكر السياسي والشرعي، اما عن الثاني فهي تجليات تلك المناهج والمقولات على أرض الواقع في الاقتتالات الداخلية بين رفاق الدرب(الثوار الإسلاميين)ا الذين كنت احسب عليهم، حيث كنت اعاين كيف يتمزق النسيج الثوري وأصاب بالمرارة بسبب انني عرضت ما تعرضت له في سبيل خروجي إلى سوريا والمقابل لاشيء؛ وكان أشدها علي ادراجنا ضمن قانون يجرم الذين ذهبوا وتعريضهم لعقوبات تتراوح إلى 5 سنوات، ناهيك اننا أصبحنا ذوي عوائل بمصاهرتنا للسوريين هناك؛ عندما تأملت في ما حولي واطلعت ما عليه المغاربة باعتبارهم اقرب الناس الي; وجدتهم طرائق قددا وخطوطا متباينة ولا يعبرون عن القناعات التي تشكلت لدي-كان معي في هذه القناعات بعض الأشخاص- الذين ساتشارك معهم في العمل على طرح تبعات مشاركتنا في الحرب السورية ضمن إطار اصطلحنا عليه بإسم “جمعية مغاربة سوريا”; ما دفعنا إلى هذا هو ان قضايانا كمغاربة لا أحد يهتم بها وعلى رأسها مستقبلنا في ضل التحولات المستقبلية التي تتربص بالملف السوري؛ فكانت الفكرة فتح الحوار مع النظام المغربي لإيجاد تسويات تراعي وضعيتنا ومالاتها. كانت خطواتنا مستهجنة وغريبة نوعا ما في الساحة حيث تم توجيه مختلف التهم إلينا والى الراغبين في مسارنا بحيث تم النظر إليها من زوايا عدة: عقدية ونفسية وصلت إلى حد التكفير والتعامل مع المخابرات ضدهم!! استمر الحال كذلك لمدة ستة أشهر تقريبا عشت خلالها بعض الضغوط حتى خرجت نهائيا إلى تركيا..لم تعرف الجنسيات الأخرى شيئا شبيها مما قمنا به بل حتى من رأوا سوء الواقع وما قد يؤول إليه ممن خرجوا إلى تركيا.. فالخروج لم يقتصر علي حيث تم استهدافي بحجة اني تركت سوريا فالكثير خرجوا ممن هم أشهر مني ف السياق السلفي كبعض الشيوخ والدعاة وطلبة العلم والتركستان وقيادات العجم والجزراوة ووو.. خلافي مع شتات حركة شام اليوم هو انهم أطلقوا عنانهم لبعض المحسوبين عليهم للطعن فينا على خلفية فتح الحوار مع النظام، فاللجنة المشتركة ف المغرب بدورها فتحت حوارا لحل ملف المعتقلين و”هتش” فتحت حوارات انتهت بها ان ترشح كضامن لمحاربة الارهاب ! واما الخروج فلست وحيدا فيه فالكثير خرج خصوصا وانه خيار شخصي لا يوصم بسببه بأي نقيصة؛ كيف والمبررات موجودة من ناحية الشرع والعقل !! لماذا خرجت من سوريا 3: خروجي لا يتنافى مع كوني ممتن لتلك التجربة بما أضافته الي من رصيد معرفي ورؤية جديدة، اكتشفت خلالها مضامين الطرح الاسلاموي في بيئات الثورات وجدلية الإيديولوجية والواقع- : هل الواقع هو الحكم في تشكل الأفكار ام ان الفكر حاكم وسيد على الواقع؛ فهناك من قدم من المجموعات برؤية مسبقة وخطوط فكرية سرعان ما اصطدمت بتعقيدات المشهد السوري فذابت كما يذوب الملح في الماء وهناك من ساير الواقع وبلور أفكاره بناء على تغيراته(الجمود والانفتاح)- كما وقفت على طوابير ممن قضوا في هذه الث

ورة ممن كان يرى في سوريا بداية التمكين للدولة الإسلامية فاقدموا على الموت احتسابا للاجر والمثوبة، في المقابل ترى الانتهازيين والوصوليين؛ خليط من الظواهر الإنسانية في تعاطيها مع الأحداث. كما تبين لي الفرق بين التنظير والمشاركة الفعلية فالكثير منهم أحجم عن المجيء وبقي في قصره العاجي يقدم توجيهاته وخلاصاته فتساءلت كيف يتعارض الفكر مع الحركة!؛ اكتشفت أن المجتمعات التي لا تمر بثورات ثقافية وتخوض تجارب في الوعي الجمعي لا يمكن أن تنجح في امتحان التغيير والتدافع، تبين لي سطوة المال في بناء الاصطفافات والتحالفات فالدعم المالي يصنع توجهات داخل الثورات لضرب بقية المكونات الأخرى، وتأثير دول الجوار في الداخل(تركيا نموذجا). سنحت لي الفرصة للاقتراب أكثر من فهم محور المقاومة (سوريا) نموذج صارخ في الجمود السياسي والبقاء ضمن حقبة تاريخية وعدم مسايرة التغيير الذي شهدته المجتمعات (الديمقراطيات وحقوق الإنسان وقضايا المرأة والحريات).

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...