الأدب بين الأمس البعيد واليوم

كانت العرب قبل البعثة النبوية يجتمعون في ناد يحيون امسياتهم الادبية بإلقاء جديد الشعر في تنافس بين شعراء القبائل والعشائر ، ولعل الطبيعة المحاطة بهم ساهمت بقوة في احياء الاحتفالات الادبية في اجواء فاتنة رغم قساوة المناخ غير النابت ، لكنه منحهم صفاء السماء وانكشافها امام اعينهم ، يستلهمون منها صدق معانيهم ونظمهم ، وكان الشعراء عندهم يترفعون عن اذلال الشعر بالتملق والاسترزاق خلاف ما نبت من الشعر في عصر ما بعد الفتوحات الاسلامية . حِرصُ العرب في الزمن ذاك على جلساتهم الشعرية ، دلالة على رقي حسهم وفطرتهم ، وقلَّ أن تجد مثيلا لهم بين المجتمعات الأخرى ، الرومانية أو الفارسية أو غيرها وقبل أوبعد ، وسلامة هذا الذوق هو من أَهَّلَهُم ليكونوا أصل المحتضنين للنبوة ، فلم تختلط طباعهم بما يفسدها ، ولا تلبد احساسهم بفلسفات الامم الاخرى ، فظلوا على سجيتهم يثقنون فن اللغة ومعانيها ، ويستشعرون السقيم منها من السليم ، والشعر من الوحي ، إن عبروا عبروا بصدقِ نَظمهِم وفعالهم ، لا يختلف شعرهم وواقعهم ، لذاك كان الشعر بالنسبة لهم ، هو السجل التاريخي الموثوق ، شاهد حي على تفاصيل حياتهم بلا تجميل 《 زواق》أو تدليس ، فنحن نقرأ عن حياة الشاعر في قصيدته كما نقرأ عن مذكرات حقيقية لكاتب من كتاب اليوم ، أنصف القول في تاريخية حياته إن وجد . عندما وُصِف الادب بأنه يُهَذِّب النفس ، كان المقصود منه ، الادب الرفيع الصليقي ، المنسجم مع حياة اصحابه وكلماتهم ، ولغتهم التي ترقى بنفسها وبصاحبها إلى معالي الانسانية في الاخلاق والحس ، واسرد هنا أمثلة لتثبيت هاته الحقيقة وتزكية المغزى منها ومن سردها.

يقول عنترة بن شداد في قصيدته

وأَغُضُّ طرفي ما بدَتْ لي جارَتي ***حتى يُواري جارتي مأْواها

إني امرؤٌ سَمْحُ الخليقة ِ ماجدٌ ***لا أتبعُ النفسَ اللَّجوجَ هواها ولئنْ

ويقول الشاعر الشنفري

وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُـون : سِيـدٌ عَمَلَّـسٌ وَأَرْقَطُ زُهْلُـولٌ وَعَرْفَـاءُ جَيْـأََلُ –

هُـمُ الأَهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّـرِّ ذَائِـعٌ لَدَيْهِمْ وَلاَ الجَانِي بِمَا جَرَّ يُخْـذَلُ

فما نراه أمامنا ،أن شاعر الجاهلية ! إن عبر عبر بصدق لا يضطرب في وجدانه كذبا ، ولا يروح يمنة ويسرة ، ولا يخالف وعده وحقيقته . هذا الوجه من الأدب يبني النفوس على مناهج لم يكن لها معاهد أو ألقي فيها محاضرات ، بل هي حياة تدرس في واقعها ، تَدُبُّ في معاش القوم وجل حياتهم. لن اكشف اكثر عن سر الادب الحقيقي وقيمته الانسانية وما يلعبه من دور كبير في تهذيب النفوس ، وإن كنا في حاجة للتفصيل أكثر ،والعروج على نماذج اخرى ، وهذا ضروري حتى نزيل اللثام عن حقيقة أدبنا المعاصر ، وهل يحق أن نسميه أدبا ؟ هذا سؤال وليس استهجان ، لكنه يحمل عبارة التساؤل وهو خير مفتاح لمعرفة أين وصل الأدب العربي ، وما تمثيليته بالمجتمعات العربية ؟


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...