علال الفاسي وعبد الحي الكتاني.

ينتسب عبد الحي الكتاني إلى أسرة شريفة عالمة، ومن أعلامها مجاهدون كبار، من أمثال سيدي إدريس بن الطايع الكتاني رضي الله عنه وأرضاه الذي شارك في حرب تطوان ووقع أسيرا بعد الهزيمة.
أما عبد الحي فصدرت عنه وقائع وتصرفات، جعلته رجل إجماع، حيث أجمع في شأن عمالته وخيانته لوطنه كل العقلاء والوطنيين والشرفاء المغاربة، ومنهم أقرب المقربين منه، نذكر منهم:
ابن أخيه محمد المهدي رحمه الله
ابن أخيه محمد الباقر رحمه الله، وكذا أبناؤه عبد الرحمن ومحمد.
محمد الزمزمي الكتاني.
تلميذه وابنه الروحي محمد بن أبي بكر التطواني السلاوي.
المكي الناصري.
البشير الإبراهيمي.
الطيب العلوي.
شكيب أرسلان.
وحتى الفرنسيون ذكروا في مذكراتهم تعاونه المطلق معهم، إضافة إلى مذكرات الوطنيين المغاربة.
والغريب أنه كان معروفا في فرنسا وفي عموم شمال إفريقيا، وكان موضع سخرية من الصحف التونسية، وقد ترجمت جريدة النداء المغربي مقالا لجريدة الأحرار التونسية، وعلقت عليه بقولها: [عجبا، إن فولتير كان عاجزا عن إيجاد رجل يريد أن يلعب دور تروطوف، وها اليوم بعد مضي 240 سنة على كتابة الرواية، ظهر بالمغرب رجل يقال له عبد الحي الكتاني شيخ الأشياخ، وطلب بل عرف رسميا للعالم أن تروطوف هو اسمه الحقيقي، وأن الناس قد غلطت فيه، وهو ليس بعبد الحي المعروف]… ذكر هذا النص الأستاذ العربي الديوري في رسالته إلى الأستاذ داود، وختمه بقوله: “لا حاجة للتعليق”.
ولم يشذ عن الإجماع المذكور أحد من شرفاء الوطن، بمن فيهم محمد الخامس الذي كره عبد الحي وكان عدوه الأخطر، وهنا أعضد كلامي بنقول حتى يتبين بالملموس ما نقول.
ذكر ابن عزوز حكيم في كتابه “في ركاب زعيم الوحدة” نصوصا متعددة، أنقل نتفا منها هي عبارة عن مذكرات دونها في حينه:
*1* يوم 20 يناير 1953، اطلعت على بطاقة استخبارية وجهها قسم المخابرات بالنيابة إلى المقيم العام حول الحالة الراهنة بالمنطقة السلطانية حيث يقوم الجلاوي والكتاني معا بجولة عبر المنطقة المذكورة من أجل الحصول على تأييد أكبر عدد ممكن من الباشوات والقواد لمخطط الإقامة العامة الفرنسية الرامي إلى تنحية جلالة الملك”.
*2* يوم فاتح يوليوز 1953. جاء في جريدة لومند ليوم 29 يونيو أن جلالة الملك وجه إلى رئيس الجمهورية الفرنسية رسالة يلفت فيها نظره إلى تدهور العلاقات المغربية الفرنسية بسبب المناورات التي يقوم بها كل من الجلاوي والكتاني بتأييد من الجنرال كيوم …”. وهنا يتبين سخط محمد الخامس على الكتاني، وبعد ذلك سخط على الزوايا عموما، لأن الكتاني كان ممثلا لهم، وهو ما يظهر في الوثيقة الآتية:
*3* يوم 2 غشت 1953، تقابل الجلاوي أمس مع المقيم العام كيوم وسلمه وثيقة القواد والباشوات وأشياخ الطرق الصوفية الذين يفوضون أمر شؤونهم السياسية إلى الجلاوي وأمر شؤونهم الدينية إلى الكتاني”.
لم يتوقف محمد الخامس عند المراسلة السابقة، بل أتبعها ب:
*4* يوم 13 غشت 1953، أذاع الديوان الملكي بالرباط بلاغا يقول فيه بأن جلالة الملك قد وجه إلى الرئيس أوريول رسالة يطلب منه فيها أن يضع حدا للمناورات التي يقوم بها كل من الجلاوي والكتاني”.
وأدنى هذه الوثيقة، نشر ابن عزوز حكيم صورة فوتوغرافية للجلاوي والكتاني وآخرين وعلق عليها بقوله: “رؤوس الفتنة مع المقيم العام كيوم بمراكش”. وتنبه إلى عبارة “رؤوس الفتنة”.
*5* يوم 19 مارس 1953. أعد قسم المخابرات بالنيابة بطاقة استخبارية موجهة إلى المقيم العام جاء فيها أن القواد والباشوات وأشياخ الطرق الصوفية الملتفين حول الجلاوي والكتاني بدأوا يروجون العريضة الموقعة من طرفهم والتي يصرحون فيها بأن جلالة الملك يقود المغرب إلى الهاوية بسبب انسياقه وراء لعبة الوطنيين الرامية إلى نشر الشيوعية بالمغرب، ولذلك يجب العمل على خلع الملك واستبداله بملك آخر يحظى بثقة الشعب المغربي”.
في هذا النص، يتبين كذب الكتاني حول نشر الملك للشيوعية، ويتبين ضغطه القوي على فرنسا في استبدال الملك، وغني عن البيان، أن الجلاوي والكتاني كانا أكثر حماسة من فرنسا في مسألة خلع السلطان.
ولن أسترسل في إيراد نصوص أخرى من كتاب ابن عزوز حكيم، وأبين أن الكتاني بذل الصعب والذلول من أجل خلع السلطان، وقد ورد في كتاب عبد الله كيكر “تجاوزات جيش التحرير في سوس” أن الكتاني كان على رأس بعثة وصلت إلى منطقة نواحي تزنيت لجمع التوقيعات على بيعة ابن عرفة.
نعم، هو شخصيا يجول المغرب، مدنه وقراه، للدعوة إلى خلع سلطان وبيعة دمية.
وعلاقة بالشيوعية، أثير مسألة:
كان الكتاني يرفع تهمة الشيوعية في وجه كل مخالف، فتارة يوجهها إلى السلطان والوطنيين، وتارة يوجهها إلى فرنسا، ولما كانت فرنسا متوجسة من تغيير السلطان، ضغط عليها الكتاني والجلاوي مدة من الزمان، إلى أن نفد صبر الكتاني، وخاطب فرنسا بنبرة حادة: “إننا سنتهم الحكومة الفرنسية بالتحالف مع الحركة الجمهورية الشعبية والشيوعية ضد ديننا الوطني” كتاب سطيفان برنار “تاريخ الصراع الفرنسي المغربي.
ولما طالب الكتاني والجلاوي بتغيير السلطان، التمسا من “الأمة الفرنسية تحرير شعبنا من متطرفي حزب الاستقلال”. [المرجع السابق].
انطلاقا من هذا النص، ستبين موقف علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال من عبد الحي الكتاني.
يمكن أن نحصر موقفه في:
أولا: التجاهل التام:
كثيرا ما عرّض به دون ذكر اسمه، ويتحدث عن شيوخ الطرق، أو الشيوخ المخرفين، أو الشيوخ الجامدين… وأحيانا يعرض عنه إعراضا، ففي كتاب مقاصد الشريعة، خصص فصلا لمنهاج الحكم في الإسلام، وأورد نقولا من مصادر متعددة، لكنه تجاهل كتاب التراتيب الإدارية إطلاقا، رغم أنه من أهم مصادر هذا الفصل.
ثانيا: القسوة في العبارة:
ذكر الكتاني نسب اليوسي، يوسف بن أحمد بن إبراهيم …… بن يوسف (وهو أبو القبيلة) بن داود… ثم قال: ومن المفيد أن ننبه هنا إلى [تحريف ارتكبه] الشيخ الكتاني في فهرس الفهارس، فإنه حين سرد عمود نسب أبي علي [اليوسي] وقف عند يوسف بن أحمد، وقال: “من العجيب أن المترجم له في محاضراته لما ذكر أنه ابن مسعود بن محمد بن علي بن يوسف، قال: وهو أبو القبيلة، وهو عجيب، فإن جده يوسف هذا رابع الآباء، ومع قربه من زمنه تفرعت منه خلائق”… ثم علق علال الفاسي بقوله: “وأنت ترى في العدد الذي سقناه عن المحاضرات نفسها أن يوسف أبا القبيلة ليس هو رابع الآباء، بل هو الثاني عشر منهم، فهل يبلغ به الإغراب إلى التحريف؟”.
وإذا تأملنا في كلام الكتاني، نجده واقعا في وهم، ولعله انتقال ذهن بين سطرين، وهو أمر بسيط جدا، وللكتاني أوهام عديدة في فهرس الفهارس، ولكن الفاسي لم يكتف بالتعبير ب”الوهم” أو غيرها من العبارات اللطيفة، بل استعمل “التحريف” مرتين، وفِعل “ارتكب” وكأننا أمام جناية، وهذه القسوة ليس لها سبب سوى سخطه على الكتاني.
ثالثا: التصريح.
لم يكتف الفاسي بالتجاهل والإعراض، بل صرح في مواضع، وقال في كتاب الحركات الاستقلالية: “عمد الجنرال جوان إلى محاولة إحياء الطرق الصوفية التي قضت عليها حركة الإصلاح الديني أو كادت، فقرب إليه الشيخ عبد الحي الكتاني الذي كانت خيانته الكبيرة لأمته وبلاده ودينه وملكه من الأسباب الكبرى لفشل الدعوات الطرقية كلها”، ثم ذكر موقف محمد الخامس من الطرق، حيث أصدر قرارا يمنع بمقتضاه تأسيس طرق جديدة، وحل الطرق التي تمشي ضد الدين، ثم قال: “الإقامة العامة كانت قد مانعت في المصادقة على هذا الظهير ولم تسمح بصدوره في الجريدة الرسمية، … وقد أراد الجنرال أن يعاكس جلالته، فاستقدم إليه الكتاني ومن على شاكلته، وعرفهم رسميا بأن الحماية لا تمنعهم من التجول أين يشاؤون لينشروا الدعوة لطرقهم”، ثم بيّن أن الشعب كان في صف الملك في هذه المسألة، و”قام بعدة مظاهرات، نذكر منها على جهة المثال ما جرى للشيخ الكتاني في قبيلة زمور التي كانت تعتبر إحدى المراكز الكبرى للطريقة الكتانية، جمعت المراقبة أشياع الطريقة القدماء، وقدمت إليهم الكتاني الذي وزع عليهم سبحا جديدة مقابل [ضريبة] خاصة، ثم افترقوا، ونام الشيخ في سرادقه الرسمي محاطا بحرس المراقبة، وبعض أشياعها، ولكن، ما راعه وقد استيقظ في الصباح إلا عشرات من الكلاب في أعناقهم السبح وهم ينبحون، وكانت تلك آخر حلقة لرحلته هذه التي رجع فيها مندحرا مهزوما لفاس، ثم فرّ لتونس والجزائر حيث لم تنتصر السلفية بعد انتصارها في المغرب الأقصى”.
رابعا: التنبيه والتحذير.
كان علال الفاسي يعي خطورة عبد الحي، لذا كان يراقبه، ويتعرف على أخباره، وينتبه لسفرياته، وفي إحدى رحلاته إلى المشرق، راسل الأستاذ محمد داود قائلا: “قد سافر من طرفنا عبد الحي الكتاني للشرق، ويقال إنه سافر بمهمة استعمارية لا ندريها، وربما كانت تتعلق بالبربر، أو بمسألة أحباس الحرمين أو غير ذلك، فينبغي تقديمه للشرق بما يناسبه حتى لا يغتر به أحد، ولهذا فنبِّه الأخوين المكي ومَحمد [بنونة] بالكتابة لأمين الحسيني وغيرهم من الأفراد، وسنقوم نحن بمثل ذلك لبعض الجهات”.
هذه الرسالة تبين ن عبد الحي كان مناصرا للظهير البربري، لذا كان علال متخوفا من دعوته إليه في المشرق، والتلبيس على المشارقة في شأنه، فطالب محمد داود أن يؤلب عليه هناك، إضافة إلى قيامه هو بنفس المهمة مع جهات أخرى، ولم يكن محمد داود متكاسلا في المهمة، فقد أجاب علال الفاسي بكون قام ب”الكتابة إلى جهات شرقية متعددة في شأن الحاج عبد الحي، وسوف لا يقابَل إلا بما يستحق”.
بقي أن أشير إلى ما ذكرته في البداية، أن الأسرة الكتانية أسرة وطنية شريفة، هي أول من تبرأ من عبد الحي وأفعاله، لكن بعض المتحمسين زيادة، يحاولون التلبيس بتحريف التاريخ، فيدافعون عن عبد الحي بالتحريف والتزوير، فيظهر للمتابع غير المطلع ان الكتانيين سواء، وهذا ما وقع فعلا في الماضي، حيث كتب المكي الناصري مقالا يطعن فيه في محمد الزمزمي بن محمد بن جعفر الكتاني، ورماه بالخيانة وأنه من دعاة الاستعمار، فذهب الزمزمي الكتاني إلى علال الفاسي مشتكيا مكسور الخاطر، فكتب علال الفاسي شهادة فيه وجهها إلى الأستاذ داود هذا نصها: “الشريف سيدي الزمزمي الكتاني مستاء كثيرا من ما حصل له بطرفكم، بسبب الحملة التي حملها عليه الأخ المكي، وبالأخص إذ رماه بالخيانة وبأنه من دعاة الاستعمار، وقد أتى عندي يستشهدني الله هل أعلم فيه ذلك، ويستشيرني في إقامة دعوى على المكي، ولكنني خففت من حدته، وقلت له إنك إذا أقمت دعوى فإنما تعطي حجة إلى ما قيل عنك”، وبعد ذلك بيّن علال لمخاطَبه وأوضح له اللبس، وأشار إلى عدم الخلط بين الزمزمي وعبد الحي، فقال: “والحقيقة أن السيد الزمزمي ليس في منزلة عبد الحي أو ما يقرب منها، حتى يكال له القول، بل لا أعلم عليه شيئا غير الحياد، والبحث عن ما يتعيش به بكل الوسائل الطرقية، وقد رغب مني في أن أكتب إليكم لتعريفكم بالحقيقة، فأرجوكم تنبيه الإخوان البنونيين والطريس والوزاني لذلك، كما أني سأعرف الأخ المكي بذلك هنا”.
وهذا النص يبين عواقب الخلط وعدم التوضيح بين الكتانيين، فعبد الحي ليس هو الزمزمي، ولعله لم يجاريه في خيانته إلا بعض أولاده، كعبد الأحد الذي قتله الفدائيون.
كما يبين النص إنصاف علال الفاسي الذي كان صديقا لإبراهيم الكتاني ابن عم الزمزمي، رحم الله علال الفاسي وإبراهيم الكتاني والزمزمي الكتاني.

شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...