الرياضية الوطنية في ظل الإنتظارات الملكية ) قراءة في النتائج الأولمبية 2021)

 

 

مرت العاصفة،وهدأتالزوبعة، وتجلى واقع الرياضة الوطنية على حقيقته المرة.

فجاء وقت مراجعة الذات بهدوء وروية، دون محاولة تقاذف الاتهامات يمينا وشمالا،ودون محاولة هدر دم المسؤولية، برميها كالعادة على الآخرين،وفي أحسن الأحوال على التاريخ.

استماتة في تبرير ما لا يبرر، رغبة مرة في إرضاء هذا المسؤول ومرة في تجنب ” زعل ذاك” نستحضر الوصفة السحرية والمسكن القديم الجديد ” التاريخ يعيد نفسه ” وبانفتاحنا على مبدأ ” الحكامة ” نجد أن التاريخ ليس هو من يعيد نفسه،وإنما نحن الذين لا نستفيد من دروس التاريخ،وأننا نحن من يكرر نفس الأخطاء بإتياننا نفس الأفعال والتصرفات * منذ أيام تدريس المادة بالكلية،ونحن نؤكد أن ” مفهوم الحكامة ” ليس حصرا على السياسة والإدارةوإنما يجب أن يطول – وبالضرورة – الميدان الرياضي.

*وذلك لسبب بسيط وواضح وأكيد،وهو أن ” الحكامة ” ليست مجرد فلسفة مثالية أو ترفا فكريا۔

وإنما ” هي النظرة الشمولية للجوانب المتعددة لنشاط معين بذاته، بقصد تقييمه والوقوف على أسباب الاختلالات والنواقص فيه،وقراءة معوقاته،والإحاطة بتطلعاته،واقتراح المناهج الكفيلة بتفعيله، لتطويره والرقيبه، في إطار الإمكانيات المادية واللوجستيكية المتوفرة حاليا والمتاحة مستقبلا “

*ميزة هذا التعريف، هو أنه يخرجنا من دائرة منهاج “البحث العلمي النظري”. الذي يقف عند دراسة النظريات ومقارنتها، دون أن يتعدى ذلك إلى تفعيلها على أرض الواقع بالنسبة لموضوع معين، في زمن محدد، لبلد أو فاعل بعينه.

لينقلنا إلى منهاج ” البحث العلمي الإجرائي ” الذي يتعدى ” مفهوم التسيير” الكلاسيكي إلى ” مفهوم التدبير الحكماتي “ بالمعنى الواسع الذي يفعل، إلى جانب التسيير الإداري، باقي الجوانب الأخرى، القانونية والتقنية والرياضية،والطب الرياضي،والطب النفسي، والنظريات الرياضية الحديثة التي تتماشى مع التكنولوجية والتقدم العلمي.

مما يمكن من الاطلاع على معوقات الماضي ورصد إمكانيات الحاضر،ومن ثم استشراف المستقبل بشكل يمكن من وضع سناريوهات النجاح وتوقع أسباب الفشل.

* هذا التعريف ” للحكامة “، في زمن شحت فيه الدراسات والمراجع، استقيناه – بكل فخر واعتزاز. من الرسالة الملكية الموجهة للمناظرة الوطنية للرياضة بالصخيرات 2008.

هاته الرسالة التي، بكل المقاسات، هي دراسة علمية مكتملة الجوانب، عميقة التحليل، أحاطت بموضوع الرياضة في شموليته وأبعاده. فأخرجت الرياضة من مجرد مفهوم الهواية والترفيه، إلى بعدها الفلسفي الشامل للجانب الاجتماعي والإنساني، الثقافي والتربوي، الحضاري والتنموي.

*إلا أنه للأسف، منذ 2008 والمسؤولون المباشرون عن الرياضة الوطنية، يتجاهلون الحلول المقترحة الواردة في الرسالة الملكية،ويرغمون الرياضة الوطنية اجتزار الأزمة على التعايش مع المعاناة من نفس الداء، مكتفين في ذلك بإعطائها المسكنات لتجاوز الوعكات المتتالية، مما ترك دائها يزيد ويتفاقم،ويتطورويتحور من صعب لأصعب، رغم تشخيص الداء وتوفر وصفة الدواء ويمكن إجمال ما جاء في الوصفة الملكية فيما يلي:

 

1 – وجوب إعادة تأهيل الرياضة المدرسية والجامعية، بحكم أنها مشتل المواهب.

2 – تعزيز البنيات التحتية للتمكن من تعاطي الرياضة وصناعة الأبطال.

3 – مواكبة التطورات المتسارعة التي تعرفها الرياضة العالمية.

4 – التأكيد على أن حجر الزاوية في الرياضة الحديثة يظل هو التمويل ورفع الاعتمادات.

* ومصداقا لهذا العنصر الأخير، يمكن أن نجزم لحد وضع المعادلة التالية:

” قل لي ما هي النسبة المئوية المخصصة للرياضة من الناتج الداخلي الخام لبلد معين، أقول لك ما هي النتائج التي سيحققها.”

وإليك المثال الحي من خلال نتائج الألعاب الأولمبية الأخيرة.

 

– USA = 3,5% من20تريليون دولار. – 39 ذهبية – 41 فضية – 33 برونزية.

– الصين =1,5 % من 15تريليون دولار. – 29 ذهبية .17 فضية – 16 برونزية.

– قطر = 07%من 175 مليار دولار-2 ذهبية و1 برونزية.

– المغرب =0,71 % من 120 مليار دولار-1 ذهبية.

 

* والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم وبإلحاح، هو ماذا تم إنجازه في هذا الإطار بعد 13 سنة

(2008 إلى 2021) من قرع ناقوس الخطر، وتشخيص الداء واقتراح الدواء.

كل ما تم رصده، إلى تاريخه مع كامل الأسف، هي محاولة تشريعية هجينة ويتيمة، تمثلت في قانون 09/30الذي فصل على مقاس رياضة ” كرة القدم ” في تجاهل تام لظروف وحاجيات وخصوصيات باقي الرياضات، مما أصبح معه عنصر كبح وعرقلة أكثر منه خدمة وتطوير.

والذي غلب على واضعيه، في الشكل الطابع الإجرائي،وفي الموضوع الطابع الجزائي والتجاري مع إطناب روتيني ممل لنموذج تسيير إداري غارق في البيروقراطية والنمطية، يتجاوز ومن بعيد الإمكانيات البشرية والماديةواللوجستيكية للكثير من الجامعات والجمعيات …

مما أدى إلى تراجع وتقهقر واضح في نمو الرياضة ونشرها، كل هذا في غفلة تامة، نسيانا أو تناسيا أو جهلا أو تجاهلا، للتوصيات الذهبية الواردة في الرسالة الملكية المشار إليها آنفا.وبتجاهل هذا الإطار المرجعي لن يتأتى أي نهوض أو ارتقاء بالرياضة.

* لذلك ما أصدق المثل المغربي القائل ” قال له طاح، قال اخرج من الدار مائل ” ومن ثم وجب الاعتراف بالهزيمة الأولمبية وتقبلها، دون محاولة تقاذف المسؤولية في كل الاتجاهات لأنها كانت نتيجة طبيعية ومؤكدةوحتمية،ومن باب تحصيل حاصل، لما رافق الرياضة المغربية من ارتجال وعفويةوتواكل، وغض الطرف عن أصل الداء،والتعامل معها بمنطق ” الارتجال والموسمية والمناسباتية “.

وما زاد الطين بلة، ما تعانيه الجامعات الرياضية الوطنية من النقص الفاحش في الإمكانيات البشرية واللوجستيكية التي تصل، في غالب الأحيان، وما أكثرها، إلى حد حرمان بعض الجامعات من المنح السنوية لأعوام متتالية. هاته الجامعات، التي لولا تضحية وغيرة الكثير من رؤسائها ومكاتبها المديرية – والذين للتذكير مجرد متطوعين بالمجان -. إلى جانب مهنية بعض أطر الوزارة الوصية واللجنة الأولمبية المغربية، لاندثرت رياضات وطال النسيان أبطال وبطلات.

ناهيك عن تهميش الجامعات وإقصاءها.وهي المعنية الأولى عند اتخاذ القرارات المصيرية ورسم الخريطة الرياضية الوطنية.

دون أن نغفل آفة “تسييس” الرياضة الوطنية و” تحزيبها ” طيلة العشارية الأخيرة، حيث تعاقب على هذه الوزارة سيل من الوزراء (كل يلغي بالغاه). العامل المشترك بينهم جميعا، هو عدم انتمائهم لقطاع الرياضة،وجهلهم وتجاهلهم لحاجياتها الأنية ومتطلباتهاالمستقبلية،والتي من دونها لن تحقق أهداف الرياضة الوطنية ومن ثم تطلعات صاحب الجلالة الواردة بالرسالة الملكية.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...