البرنامج الحكومي لعزيز أخنوش بين انتقادات المعارضة ومباركة الأغلبية

rassd maroc

 تشهد الساحة السياسية المغربية جدلاً حول البرنامج الحكومي الذي تقدم به رئيس الحكومة عزيز أخنوش أمام البرلمانيين مطلع الأسبوع الحالي.

فبالموازاة مع انطلاق النقاشات في مجلس النواب عبر مداخلات فرق الأغلبية والمعارضة، تمتلئ صفحات الجرائد وشبكات التواصل الاجتماعي بآراء مختلفة تتوزع ما بين مباركة الالتزامات العشرة التي أعلن عنها زعيم ائتلاف الأغلبية، وبين انتقادها واعتبارها مجرد وعود وأمان تحتاج إلى اعتمادات مالية ضخمة لتنفيذها.

في هذا السياق، كتبت صحيفة “بيان اليوم” الناطقة بلسان حزب “التقدم والاشتراكية” المعارض: “نعتقد أن تصريح رئيس الحكومة، مضموناً ومنهجية ولغة، لم ينجح في إبراز دقة المرحلة الوطنية وحجم التحديات المطروحة على بلادنا اليوم، ولم يعكس الوعي العميق الذي حكم خطاب الملك في افتتاح الدورة البرلمانية قبل بضعة أيام فقط”.

وأضافت: “الأغلبية الحالية تبدأ عملها اليوم بامتلاك تفوق عددي كبير في غرفتي المؤسسة التشريعية نجم عن نتائج انتخابات ثامن أيلول/ سبتمبر وخامس تشرين الأول/ أكتوبر، وأيضاً في أغلب الجماعات (البلديات) والجهات والغرف المهنية، كما أنها تتشكل من قوى حزبية لديها الكثير من القواسم المشتركة فيما بينها، ما يفرض عليها أن تكون أكثر تحرراً وانسجاماً، وأن يكون برنامجها وتصريحها يجسدان رؤية يمينية ليبرالية واضحة، تنتصر، على الأقل، للقيم الكونية الداعمة للحريات والتعددية والانفتاح والخيارات الديمقراطية وتنبذ الهيمنة والانغلاق والأحادية”.

إقرار بالعجز

وأثارت صحيفة “الاتحاد الاشتراكي” الناطقة بلسان حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” المعارض تساؤلات أولية على هامش التصريح الحكومي الذي قدمه عزيز أخنوش، فأشارت إلى وجود “إقرار حكومي ضمني بالعجز عن الحفاظ على 5,5 % من النمو التي أعلنها الملك، وتساءلت: “ما جدوى النموذج التنموي الجديد إذا لم تتمكن الحكومة من تنفيذ نموذج اقتصادي جديد يتيح نمواً مرتفعاً، مستقراً ومتحرراً؟ من أين ستأتي الحكومة بالاعتمادات الكافية لتمويل برنامجها؟”، وقالت إن الوفاء بالتعهدات التي قطعها رئيس الحكومة يتطلب توفير التزامات مالية ضخمة ليس أقلها نصيب الدولة من 51 مليار درهم التي يحتاجها تمويل برنامج تعميم الحماية الاجتماعية، وفي مقدمتها التأمين الصحي الإلزامي؛ وكذا ضمان حد أدنى من الدخل للفئات الضعيفة التي تزيد أعمارها عن 65 سنة لتصل تدريجياً إلى 1000 درهم.

وذكرت أن وتيرة النمو الاقتصادي التي وعدت بها الحكومة في برنامجها الخماسي والمتمثلة في معدل نمو متوسط يناهز 4 في المئة تطرح إشكالية في حد ذاتها، على اعتبار أن هذه الوتيرة تبقى ضعيفة بالمقارنة مع التزام الحكومة بإحداث أكثر من 1 مليون منصب عمل، كما أن معدل 4 في المئة كمتوسط نمو خلال السنوات الخمس، يدخل في حساباته 5.5 في المئة التي يرتقب أن يحققها الاقتصاد المغربي هذا العام، ما يعني ـ حسب المصدر نفسه ـ أن الحكومة تقر ضمنياً ومنذ البداية بأنها عاجزة عن الحفاظ على هذه الوتيرة طيلة ولايتها، علماً بأن طموح تحقيق 4 في المئة هو الآخر، سيظل كالعادة مرتبطاً بعدد من المتغيرات الداخلية (الفلاحة وتساقطات الأمطار) والمتغيرات الخارجية المتمثلة في سعر النفط في الأسواق العالمية، وتقلبات الاقتصاد العالمي وخاصة الأسواق الشريكة).

وتساءلت “الاتحاد الاشتراكي” عن جدوى النموذج التنموي الجديد إذا لم تتمكن الحكومة من تنفيذ نموذج اقتصادي جديد، يتيح نمواً مرتفعاً ومستقراً ومتحرراً من تقلبات العوامل المناخية والدولية؟

وقال رشيد حموني، رئيس فريق حزب “التقدم والاشتراكية” في مجلس النواب خلال مداخلته أمس: “نعيد التعبير عن استنكارنا للاستعمال المريب للمال في شراء الأصوات وإفساد أجواء التنافس الشريف”، في الانتخابات الأخيرة التي شهدتها البلاد”.

 وأضاف: “سيكون علينا استخلاص الدروس من ممارسات بعض الأحزاب وقطاع واسع من المرشحين الذين يسيئون بهذا السلوك لمسارنا الديمقراطي”.
وأكد أن حزبه سيكون “معارضاً للسياسات النكوصية التي تنقض الوعود التي قدمها البرنامج الحكومي”، وطالب رئيس الوزراء بشرح كيف ستحقق حكومته مليون منصب عمل في الخمس سنوات المقبلة، في ظل معدل نمو يقدر بأربعة في المئة فقط، وتساءل المتحدث ذاته عن مصدر الموارد التي ستجلبها الحكومة لتمويل الاستراتيجيات والمشاريع المعلنة”.

وعود مغرية

ودعا فريق “التقدم والاشتراكية” الحكومة الجديدة إلى التحلي بـ”الجرأة في محاربة الريع الذي يفقد الدولة المليارات والتي من شأنها أن توفر الموارد اللازمة لتمويل المشاريع والاستراتيجيات المعلنة بدل الاتجاه نحو المديونية”.
في سياق متصل، لاحظ الباحث اليساري حميد باجو أن الوعود التي تقدم بها أخنوش أمام البرلمان مغرية جداً، ولكنها لحد الآن تبقى مجرد وعود، “حتى نرى كيف ستتم ترجمتها بالأرقام في مشروع ميزانية 2022”.
واستدرك في تدوينة على “فيسبوك” قائلاً: “غير أن هذه الوعود كما نعلم، تقوم في جلها أو مرهونة برفع حجم الاستثمار في البلاد”. وأضاف أن “خلق مليون فرصة عمل لن تسقط علينا من السماء”. مشيراً إلى أن “الأداة الاساسية لذلك الاستثمار، وكما جاء في التصريح، هو صندوق محمد السادس الذي قدرت حاجياته لهذه السنة المنتهية بـ 45 مليار درهم… ضخت الدولة منها لحد الآن 15 ملياراً من ميزانيتها، وينتظر أن تضيف المؤسسات العمومية الأخرى إليه ما يقارب هذا المقدار نفسه”.
وسجل أن “15 مليار درهم أخرى تبقى ناقصة، وعلى الصندوق أن يبحث عنها في أقرب وقت”، وتساءل الباحث باجو: “من أين سيأتي بها؟” ليجيب على الفور “من الاقتراض الخارجي بطبيعة الحال! علماً أن الديون الخارجية لحد اللحظة هي حوالي 374 مليار درهم …سيضاف إليها ما ستقترضه الدولة حتى آخر هذه السنة، وكذلك ما ستقترضه حتى تلك المؤسسات العمومية أعلاه لتمويل حصتها في الصندوق أو لتمويل حاجياتها الخاصة، ونتجاوز قريباً عتبة 400 مليار درهم”.

وختم حميد باجو تدوينته بالقول: “هل عرفتم لماذا نحن نضع يدينا على قلوبنا خوفاً مما قد ينتظرنا في المستقبل؟”.

حكومة قادرة

في مقابل هذه النبرة المتشائمة، بدت أحزاب الأغلبية الحكومية متفائلة، فقد صرح رئيس فريق حزب “الأصالة والمعاصرة”،  في مداخلته أمام البرلمانيين، قائلاً: “أمام الهدر الكبير من الزمن السياسي طيلة عقد كامل، بسبب الحسابات الضيقة وعدم الانسجام في الأداء الحكومي، هذه هي المحطة الانتخابية التي مكنت الحكومة الحالية من غطاء سياسي وانتخابي قوي وتقارب برنامجي قادر على تجاوز صعوبات التجانس السياسي”.

وأكد أن “على الحكومة الحالية أن تكون في مستوى الوفاء لبرامج مكونات أغلبيتها في كل القطاعات الحكومية وفي مقدمتها الاجتماعية، والتعليم العالي والصحة والشغل والسكن والاقتصاد غير المنظم ومحاربة الفقر والتهميش والارتقاء بالأرياف وغيرها، مما قد يخلق نوعاً من الرضى لدى فئات عريضة داخل المجتمع”.

وأضاف أن “النموذج التنموي يفتح آفاقاً واسعة أمام عمل الحكومة والبرلمان بكل مكوناته، والحكومة الجديدة مسؤولة على وضع الأولويات والمشاريع، خلال ولايتها، وتعبئة الوسائل الضرورية لتمويلها”.

واعتبر أن الالتزامات الواردة في تصريح رئيس الحكومة “لم تقتصر فقط على المزاوجة بين الطموح المعبر عنه من طرف المغاربة والواقعية التي تطبع الرؤية العامة لتدبير الشأن العام المغربي من طرف مكونات الأغلبية، بل تجاوزت ذلك بكثير باعتبارها تشكل ضمانة للتوفيق والنجاح والوفاء لقيم النجاعة ونكران الذات”.

وشدد النائب البرلماني المغربي على أن الالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي تحمل في ثناياها أجوبة واضحة وشفافة على العديد من الحاجات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهو ما يجعلنا نعرب عن دعمنا للحكومة في تنفيذ هذا البرنامج على أرض الواقع، مع التعبير عن الأمل الكبير الذي يحذو المغاربة قاطبة في تسريع وتيرة الإنجاز وإكسابه النجاعة المرجوة والمردودية المنتظرة.

ولفت الانتباه إلى أن الحكومة أمام امتحان صعب، “فما عاد بالإمكان إخفاء أو حجب الإخفاقات في الأداء الحكومي، ولا حتى تبريرها بالإكراهات والظروف غير المواتية، فهي مطوقة بواجب تفادي المساهمة في أي تراجع عن المسار الديمقراطي، أو في إفراغ الجهوية المتقدمة من مضمونها التنموي، أو في إذكاء فقدان الثقة والتشكيك في أهمية المشاركة السياسية ودور الفاعلين السياسيين”، على حد قول رئيس فريق “الأصالة والمعاصرة” في مجلس النواب.

ويرى الفريق النيابي لحزب “التجمع الوطني للأحرار” أن “البرنامج الحكومي الجديد هو برنامج للأمل، أي الأمل في أجيال الغد لتحمل المشروع التنموي الوطني بأبعاده المجتمعية والبشرية والاقتصادية، والأمل في التطور والترقي المجتمعيين لتحقيق الأهداف التنموية، مبناهما ترسيخ قيم الوطنية الحقة لدى مواطنينا وخصوصاً الشباب منهم”.

برنامج حكومي واقعي

ودافعت صحيفة “الأخبار” المغربية عن البرنامج الحكومي لعزيز أخنوش، قائلة إن قوته تكمن “في أنه يبتعد عن طينة البرامج الإنشائية، فهو برنامج مليء بالتدابير والأرقام وتوقيت الإنجاز”، وقالت في افتتاحياتها: “عانينا كمواطنين من برامج تقول كل شيء ولا تفعل أي شيء”، مضيفة: “ولربما من واجبنا كصحافة اليوم أن نفرق بين البرامج الحكومية الواقعية، وبين مزايدات السياسيين الذين أخذهم بعض الحماس وربما دون أن يدركوا أن التوقيت أصبح حاسماً لفائدة شرعية الإنجاز وليس لشرعية الشعبوية، لذلك فالمبالغة في المزايدات والغلو في الشعارات التي لا تشكل صلب احتياجات المواطن أصبحا غير مبررين اليوم في ظل اتساع رقعة الطلب الاجتماعي حول تحسين الخدمات في التعليم والصحة والتشغيل وغيرها”.

واعتبرت أن “تعهدات البرنامج الحكومي واقعية وجدية”، لأنها في رأيها “لامست أغلب مشكلات البلد الحقيقية، وحاولت تقديم حلول لها”.

وختمت افتتاحيتها بالقول: “نتمنى أن يعي الجميع أننا في وضع إقليمي مضطرب لا يحتمل الصراع السياسوي الضيق وفي وضع اجتماعي ومالي منهك بمخلفات وباء کوفید 19 يحتاج إلى اتخاذ إجراءات مستعجلة لوقف النزيف قبل فوات الأوان”.

القدس العربي


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...