وائل حلاق قطبيا

لم يثر مفكر عربي/إسلامي الجدل في القرن الماضي مثلما أثاره سيد قطب، وقد تعرض سيد قطب للنقد الشديد بسبب مقولاته وآراءه ومواقفه، وكان من أكثر المفاهيم إثارة للنقاش والنقد العنيف مفهوم الجاهلية، بحيث لم يقتصر النقد على خصوم قطب فكريا فقط بل شمل أيضا رواد المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها سيد قطب، ومن أبرز هؤلاء الشيخ القرضاوي والشيخ احمد الريسوني (نقده كذلك لقضية جنسية المسلم عقيدته)، وغيرهم كثير من مفكري ودعاة الحركة الإسلامية.
غير أنه بينما كان سيد قطب يتعرض لذلك النقد العنيف برز مفكرون كبار جدا يبنون افكارهم على أفكاره بل إن منهم من تبنى بعض أطروحاته وعلى رأسها مسألة الجاهلية!
ومن هؤلاء الفيلسوف ورئيس البوسنة والهرسك الراحل علي عزت بيجوفيتش، والمفكر الراحل عبد الوهاب المسيري، والمفكر المسيحي وائل حلاق الأستاذ بجامعة كولومبيا العريقة بأمريكا.
إن القاسم المشترك بين هؤلاء الثلاثة وسيد قطب هو نقدهم العنيف للحضارة الغربية المادية، وأنهم عاشوا إما لفترة قصيرة أو طويلة ضمن تلك الحضارة.
والقاسم المشترك بين كل من سيد قطب والمسيري وحلاق -ما يزال- أنهم عاشوا جزءا من حياتهم في أمريكا، وأن نقدهم للحضارة الغربية تم من خلال دراسة نموذجها الرائد والقائد ممثلا في أمريكا.
وهنا أجازف وأقول بأن ما توصل إليه كل من المسيري وحلاق في نقدهما العنيف للحضارة الغربية ما هو إلا تبني/بناء على أفكار سيد قطب في هذا الباب.
فسيد قطب ربما يكاد يكون المفكر الوحيد -إسلاميا على الأقل- الذي استوعب الحضارة الغربية مبكرا جدا، وهو استعياب جاء من خلال هجرته لأمريكا لفترة من الزمن.
وقد نشر أفكاره حول ذلك النموذج من الحضارة الغربية أواخر أربعينيات القرن الماضي، عبر سلسلة من المقالات وعبر مجموعة من كتبه.
نقد سيد قطب النموذج الأمريكي نقدا عنيفا وبين حقيقة “نموذجه الكامن”، بدءا بدراسة طبيعة الفئات المهاجرة لأمريكا (المجرمون والمغامرون)، وتأثير ذلك على الأجيال اللاحقة، وفي ميلاد نموذج “الإنسان الأمريكي”.
فالأمريكي بدائي في حياته الجنسية وفي علاقات الزواج والأسرة (لهذا لم يكن غريبا أن تكون أمريكا معقل الثورة الإباحية في العالم، ومظاهر التوحش الجنسي التي لم تشهد البشرية مثيلا لها في التاريخ)، فالجنس مسألة بيولوجية جسدية مثل البول والغائط!
والأمريكون بدائيون في الأذواق والأمزجة (لهذا لم يكن غريبا أن تنتشر ثورة الطعام السريع -فاست فوود- في أمريكا وعبرها غزت العالم، ولم يكن غريبا أن تقود أمريكا التوحش في اللباس).
والأمريكيون بدائيون في الرياضة، ولهذا يحبون الرياضات العنيفة والشرسة والتي تسيل الدماء، وحتى كرة القدم الأمريكية هي رياضة عنيفة قائمة على الضرب والركل والرفس، أما الالعاب النظيفة فلا قيمة لها أمريكيا (ولهذا لم يكن غريبا أن تقود أمريكا ثورة رياضة كمال الأجسام، ونموذج الإنسان “رامبو” وسوبرمان وبات مان).
ويصل سيد قطب لخلاصة صادمة لكنها كانت حقيقية، بل تنبأ بها قبل الجميع، “إن أمريكا تصلح أن تكون ورشة العالم فتؤدي وظيفتها على خير ما يكون، أما أن يكون العالم كله أمريكا فتلك هي كارثة الإنسانية بكل تأكيد”.
جدد سيد قطب هذه الخلاصة الصادمة في المقدمة المزلزلة “للمعالم”، فالعالم يقف على حافة الهاوية بسبب الإفلاس في عالم القيم.
وعن الأسباب التي انتجت أمريكا الذي لا رصيد لها من المشاعر والعواطف الإنسانية، يعيدها سيد قطب لطبيعة القاطنين الأوائل من الأوروبيين للعالم الجديد، ولطبيعة النمط الرأسمالي في الإنتاج “فحينما يقضي الإنسان ساعات حياته كلها في عمل شاق مضن، وجهته الدولار. وحينما تصيق آفاق الحياة كلها فلا تتسع إلا لوجه الدولار، عنذئذ لا يبقى للأشواق الروحية مجال للأحاسيس الشاعرة مكان”.
إنها الخلاصة نفسها التي وصل إليها بعد سيد قطب كل من المسيري ووائل حلاق، بل إن هذا الأخير -لقاء المقابلة في قناة الجزيرة- أعلن تبنيه لمفهوم الجاهلية كما خطه سيد قطب وأقر بأن سيد قطب شخص الغرب تشخيصا صحيحا، وهو بتعريفه -أي حلاق-الفصل بين الأخلاق وبين حقوق الحياة الأخرى المركزية، بل إنه وصف العصر الحالي بعصر البربرية. وهو بتعريف المسيري الإنسان المنفصل عن القيمة، والإنسان الذي تمت “حوسلته”.
المثير إن حلاق أصبح مفكرا مؤثرا في الغرب، وأصبح مرجعا للدوائر الفكرية الغربية في قضايا الإسلام والشريعة، وبينما تعرض سيد قطب للنقد العنيف ها هو أحد المفكرين المسيحيين الغربيين أكاديميا يقوم بنقل أطروحته ضمن الأنساق الأكاديمية الغربية.

شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...