دعم يستنزف الملايير.. مهرجانات “بدون هوية” و”تخبط” في إدارة الشأن الثقافي

رصد المغرب

عاد النبض إلى الساحة الثقافية بالمغرب من جديد، بداية بتنظيم الدورة الـ27 من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط شهر يونيو الماضي، ثم استئناف عدد من المهرجانات والتظاهرات الفنية نشاطها بعد فراق عن الجمهور دام أزيد من سنيتن بسبب جائحة كورونا.

وأفردت الحكومة خلال عام 2022 ميزانية 60 مليون درهم لدعم القطاع الثقافي والفني، منها 20 مليون درهم لدعم المسرح، و11 مليون درهم للكتابة والنشر، و12 مليون درهم للموسيقى والفنون، و9 ملايين درهم للجمعيات الثقافية والمهرجانات.

وفي هذا الإطار، دشنّ المركز السينمائي المغربي هذه العودة، بالإعلان، الأربعاء الماضي، في بلاغ له، عن قائمة المهرجانات والتظاهرات السينمائية المستفيدة من دعم الدورة الثانية للسنة الجارية، وعددها 54 من أصل 66 ملفا تقدم بها أصحابها للحصول على هذا الدعم.

وأثارت هذه الوثيقة جدلا واسعا في الأوساط الثقافية والسينمائية، إذ إن هذا الدعم أثلج صدر بعض القائمين على هذه المهرجانات، بينما خلف استياء في نفوس آخرين.

الدعم في أرقام

بالرجوع إلى بلاغ المركز السينمائي المغربي، قررت لجنة دعم تنظيم المهرجانات السينمائية، التي انعقدت بمقر المركز السينمائي المغربي بالرباط تحت رئاسة إدريس اليزمي، دعم 54 مهرجانا وتظاهرة بمبلغ إجمالي قدره 27.151.500 درهم، برسم الدورة الثانية لسنة 2022، موزعة حسب الفئات.

ونال المهرجان الدولي للفيلم بمراكش (الدورة 19)، حصة الأسد، بحصوله على دعم بمبلغ 1.1 مليار سنتيم، بينما جرى توزيع باقي المبلغ (1.6 مليار سنتيم) على 53 مهرجانا كما توضح الوثائق أدناه.

“تنافي” و”تخبط” في إدارة الشأن الثقافي

وتعليقا على نتائج لجنة دعم تنظيم المهرجانات السينمائية برسم الدورة الثانية (يوليوز) لسنة 2022، قال الناقد السينمائي والفني، أحمد سيجلماسي، إنه ليس هناك جديدا فيما يتعلق بالمهرجانات الكبرى المصنفة في فئة (أ)، أي مهرجان مراكش الدولي للفيلم، الذي استحوذ لوحده على ما يفوق ثلث المبلغ المخصص لدعم مهرجانات النصف الثاني من السنة الجارية، والمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، الذي استفاد بدوره من أكثر من نصف المبلغ الذي حصل عليه مهرجان مراكش، مضيفا أن هذين المهرجانين يستحوذان على حصة الأسد من “كعكة” الدعم منذ إحداث هذا الأخير في عهد وزير الاتصال الأسبق مصطفى الخلفي.

وأشار سيجيلماسي، في تصريحه لجريدة مدار21، إلى وجود نوع من التنافي في هذا الأمر، إذ يستغرب استفادة مهرجانات تنظمها الدولة من الدعم العمومي المخصص أصلا لمهرجانات تنظم من قبل جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني.

وواصل المهتم بتاريخ السينما بالمغرب بالقول: “لقد طالب العديد من المهتمين بإخراج مهرجانات الدولة من دائرة الاستفادة من هذا الدعم، والاستحواذ على حصة الأسد منه، وترك الفتات لباقي المهرجانات الصغرى والمتوسطة، التي هي في أمس الحاجة إليه”.

وشدّد المتحدث نفسه على أنه من باب العدالة المجالية يجب تدعيم المهرجانات التي تنظم في مدن وجهات وأقاليم لا وجود لقاعات سينمائية بها، أما المدن الكبرى فهي تعيش نوعا من التخمة على مستويات الفرجة، لأن بها شاشات “ميغاراما”، وبعض القاعات السينمائية الأخرى وغيرها من الفضاءات.

من جانبه، يرى رئيس المهرجان الدولي لسينما الذاكرة المشتركة بالناظور، عبد السلام بوطيب، أن هناك “خطأ سياسيا منهجيا” يعكس استمرار التخبط في إدارة الشأن الثقافي، مبرزا أنه لا يمكن للجنة واحدة أن تفصل بين مبادرات الدولة الهادفة للترويج السينمائي، أي مبادرات وزارة الثقافة التي تقدمها عبر المركز السينمائي المغربي، ومبادرات المؤسسات الفكرية والحقوقية والثقافية التي لها طابع ترافعي عن قضايا استراتيجية للبلد عبر “رافعة السينما”.

وزاد بوطيب، في تصريح لجريدة “مدار21″، أنه لا يمكن للجنة واحدة أن تفصل بين مهرجانات تخدم السينما في حد ذاتها، و أخرى تجعل من السينما رافعة للتعريف بالقضايا التي تشتغل عليها، والتي هي قضايا تهم البلد ومستقبله.

الدعم المقدم يشوبه “التمييز”

ويرى بعض المتتبعين للشأن الثقافي بالمملكة أن ثمة “تفاوتا” بين المهرجانات على مستوى النصيب الذي تحصل عليه من الدعم، وفي هذا الصدد، أكد سيجلماسي في سياق تصريحه للجريدة، أن هناك “تمييز” بين المهرجانات من حيث قيمة الدعم المقدم لها، لأن هناك مهرجانات تجاوز عمرها العشر سنوات حصلت على دعم أقل من مهرجانات جديدة في دورتها الثانية أو الثالثة.

وتابع: “هناك الجامعة السينمائية، التي تنظمها أقدم جمعية سينمائية ببلادنا (الجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب)، تخرج منها جيل نقاد السينما المغاربة، وبعض المبدعين السينمائيين وغيرهم على امتداد نصف قرن من الزمان، لم يتجاوز مبلغ دعمها لحد الآن 100 ألف درهم، في حين يتم التعامل بسخاء مع مهرجانات تافهة لا تضيف شيئا يذكر لمشهدنا الثقافي السينمائي” حسب تعبيره.

وعدّ المتحدث نفسه أن لجنة دعم تنظيم المهرجانات، تعوز بعض أعضائها “دراية كافية” ثقافيا وميدانيا بأمور المهرجانات وكواليس تنظيمها، لافتا إلى أنها لا تشتغل وفق معايير مضبوطة وثابتة، وهو ما يفسر، حسب سيجلماسي، نتائجها المتناقضة من سنة لأخرى.

واستشهد الناقد السينمائي بالمهرجان المغاربي للفيلم بوجدة، الذي تم تقليص مبلغ دعمه من 400 ألف درهم سنة 2021 (وقد نظمت دورته العاشرة عن بعد) إلى 330 ألف درهم سنة 2022 (ستنظم دورته 11 حضوريا) من طرف اللجنة ذاتها، وكذلك الأمر بالنسبة للمهرجان السينمائي الجامعي بالرشيدية، الذي فوجىء منظموه بانتقال مبلغ الدعم من 300 ألف درهم (2021) إلى أقل من 210 آلاف (2022)، يضيف سيجلماسي.

سجلماسي يؤكد أيضا أنه لا يعقل أن تطلب لجنة دعم تنظيم المهرجانات من التظاهرات الصغرى والمتوسطة أن تكون مهنية في التنظيم، وأن تضع مشاريع برامج غنية ومتنوعة ومقنعة دعم يتراوج مبلغه بين 50 و100 ألف درهم، مضيفا: “إنه الضحك على الذقون”.

واستطرد قائلا: “ليس هناك جديد أيضا، لأن الفتات هو ما يخصص للمهرجانات السينمائية غير المصنفة، وعددها يفوق النصف (27 من أصل 54 مهرجان وتظاهرة استفادوا من دعم الدورة الثانية)، وكأن هناك نية مبيتة لإقبار هذه المهرجانات، التي أصبحت تتخبط في مشاكل لا حصر لها، بسبب تنكر الجميع لها محليا وجهويا ومركزيا، والتي سيضطر منظموها إلى نفض أيديهم منها عاجلا أم آجلا إذا استمرت دار لقمان على حالها”.

مهرجانات “بدون هوية” و”غايتها” الدعم

في ظل تنوعها واختلافها بربوع المملكة، ينتقد عبد السلام بوطيب في حديثه إلى الجريدة، وجود هذا العدد الهائل من المهرجانات السينمائية المعلن عنها، خاصة وأن جلها، بما فيها التي تقدم نفسها على أنها مهرجانات كبيرة بناء على مساحة المدن التي تنظم فيها، معتبرا إياها مهرجانات “بدون هوية”، وليست لها قضايا ترافع من أجلها.

وأكد بوطيب أن المهرجان السينمائي قبل أن يكون لقاء لمشاهدة الأفلام، فهو مجال للترافع عن القضايا العادلة، ولا سيما قضايا الأمة، وبناء علاقات وطيدة مع “مالكي مفاتيح” المستقبل؛ أهل الصوت والصورة.

في المقابل، يرى سيجلماسي أن بعض هذه المهرجانات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة تساهم بالفعل في نشر الثقافة السينمائية والرفع من مستوى التذوق الفني، خصوصا لدى الناشئة، بالإضافة إلى التعريف بالمنتوجات السينمائية الوطنية والأجنبية وخلق نقاشات مثمرة حولها، ناهيك عن اكتشاف المواهب وصقل تجاربها بالتكوين عبر الورشات واللقاءات والدروس السينمائية وغيرها.

ولكن المتحدث عينه لم يستبعد وجود مهرجانات غاية القائمين عليها هي الحصول على الدعم فقط، إذ أكد أن بعضها “لا علاقة له لا بالسينما ولا بثقافتها”، مضيفا: “همّ منظميها هو الحصول على الدعم بطرق ملتوية لتنظيم السهرات الليلية واستدعاء الأصدقاء وأفراد من العائلة للسياحة على حساب ميزانية المهرجان”.

ولفت سيجلماسي إلى أن هذا النوع غالبا ما يعتمد على”البهرجة” في حفلي الافتتاح والاختتام، وما بينهما “فراغ في فراغ”، بحيث لا تكون أهدافه بالأساس فنية ولا ثقافية، حسب تعبيره.

في حاجة إلى “نهضة ثقافية” و”وزير يقرر”

للخروج من هذا المأزق، الذي “يشل” حسب المختصين عجلة القطاع الثقافي بالمغرب، دعا عبد السلام بوطيب، في تصريحه للجريدة، إلى الإسراع بالنهوض بالشأن الثقافي في المملكة، مضيفا أن الثقافة والملتقيات الثقافية الوطنية والعالمية الجادة ينتفع البلد وقضاياه كثيرا منها، ومشيرا، في الوقت ذاته، إلى أننا نحتاج بشكل استعجالي إلى مناظرة وطنية حول الثقافة، والصناعة الثقافية، والسياسة الثقافية، وكذلك الدبلوماسية الثقافية، أكثر مما نحتاج إلى لجن توزع “مساهمات” وزارة الثقافة بشكل “ديمقراطي”، وفق تصريحه.

واسترسل بالقول: “لا أفهم كيف تقرر لجنة في مكان الوزير عندما يتعلق الأمر بمهرجان للدولة، ولا أفهم كذلك إقحام تظاهرات محلية صغيرة أمام لجنة بعاصمة المملكة”، مشددا في الآن عينه على أن هذه التظاهرات الصغيرة يجب أن تتكلف بها الإدارة المحلية التابعة لوزارة الثقافة أو أي مجلس بلدي أو قروي.

لجنة غير مقدسة

وقال مصدر خاص من وزارة الثقافة، في تصريح لجريدة “مدار21″، إن هذه الأخيرة تعتمد برنامجا خاصا للأنشطة الثقافية، اشتغلت عليه منذ توليها المسؤولية.

وأكد مصدر الجريدة أن هناك عددا من المهرجانات التي استأنفت نشاطها، وأخرى ستنطلق خلال الأيام المقبلة، مشيرا إلى أن أي طلب يتعلق بتنظيم مهرجان تتلقاه الوزارة تدعمه.

وبخصوص الجدل الذي رافق دعم المهرجانات السينمائية، أوضح المصدر نفسه أن الدعم المخصص لكل مهرجان، تقرر فيه لجنة خاصة بالمركز السينمائي، وهي مستقلة عن وزارة الثقافة.

وأضاف المصدر ذاته أن هذا النقاش “شيء طبيعي”، لافتا إلى أن هذه اللجنة “غير مقدسة”، بل يخضع عملها للتقييم.

من جانب آخر، قال محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب الثقافة والتواصل، قبل أسابيع بالبرلمان، إنه منذ توليهم المسؤولية على رأس الوزارة، شرعوا في استئناف مختلف التظاهرات الثقافية التي توقفت وذلك من أجل تحريك عجلة الاقتصاد الثقافي.

وذكر بنسعيد أن الأفلام، المسلسلات، السهرات الموسيقية، العروض المسرحية أو التشكيلية وغيرها من الأعمال الفنية ليست بذخا أو تبذيرا للأموال كما يقول أو يظن البعض، بل هي مصدر رزق لآلاف العائلات، خاصة وأن الوضعية الاجتماعية لمعظم الفنانين صعبة ومؤلمة وازدادت تدهورا بعد جائحة كوفيد-19.

عن مدار 21


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...