أمل الشعوب بين الذاكرة والنسيان

رصد المغرب

كثيرا ما نسمع أو نقرأ عن الذاكرة التاريخية ودورها في بناء حاضر الشعوب ومستقبلها، وهناك مقولات كثيرة لمفكرين وفلاسفة ومثقفين وغيرهم تصب في المنتهى نفسه. وصف هيغل الإنسان الذي لا يعي ذاته بالشيء، والمصطلح هنا يعبر عن نفسه تعبيرا دقيقا؛ فلا يمكن للشيء أن يتحرك من تلقاء نفسه، ولا أن يقوم بأية حركة، هو الآخر يُخضعه لإرادته، ويقوم بالفعل بدلا منه، والوعي بالذات يستدعي أيضا استحضار الذاكرة، وإلا أصبحنا شعوبا فاقدة للذاكرة، على رأي المهدي المنجرة. من هنا يبرز السؤال: ما ماهية هذه الذاكرة التي تجعلنا مجردين من إرادتنا، إن لم نصنها جماعة أو فرادى؟

الحديث عن الذاكرة التاريخية ودورها في صناعة حاضر الشعوب ومستقبلها وصيانة كرامتها ووحدتها وتصالحها مع ذاتها يجرنا إلى الحديث عن أنواع هذه الذاكرة وعلاقتها بالفرد باعتباره عنصرا مكونا للجماعة.

أكد هالبواكس، في كتابه “الذاكرة الجماعية” الصادر سنة 1925، على أهمية الذاكرة الجماعية وصنفها عائلية ودينية ووطنية. يتوارث الأفراد الذاكرة العائلية وكل العادات والأفكار جيلا عن جيل، ويبلورون ذاكرتهم داخلها ليشكلوا نواة جماعية صغيرة يقوم عليها المجتمع. يرثون أيضا الذاكرة الدينية. وهنا تجب الإشارة إلى أننا نتحدث عن الدين بمفهومه الشامل، كما حدده إريك فروم في كتابه “الدين والتحليل النفسي”، وليس فقط تلك الأديان الكبرى السماوية أو غيرها، ثم هناك الذاكرة الوطنية التي تعتبر ذاكرة رسمية، من دون أن ننسى تلك التفرعات، مثل العرق والعشيرة والبلد وغير ذلك، وهي بالأساس تفرعات عن الأصل. ينصهر هذا كله في إطار الذاكرة الوطنية، حيث تتوارى الذاكرة الفردية، وتختار الشعوب عموما ما يتوافق مع ذاكرتها الوطنية للحفاظ على لحمتها. يتضح، إذن، أن الذاكرة بمثابة صمام أمان يحمينا من الاختراق ويجعلنا ننعم بإنسانيتنا، وإلا صرنا مجرد لوحة يشكلها الرسام كيفما شاء ومتى شاء، يضيف إليها اللون الذي يشاء والرسومات التي يشاء وإن شاء نقلها من مكان إلى آخر أو عرضها للبيع أو أهملها.

الذاكرة التاريخية محرك أساسي لتقدم أي شعب وحصن له من كل غزو يروم إلى تقويض ثقافته وتاريخه. إدراك الغرب مبكرا هذا الأمر مكنه من التلاعب بالذاكرة الجماعية للشعوب، من أجل السيطرة عليها لاحقا. ويخبرنا التاريخ عن بعثات بعض الدول الأوروبية الوافدة على بعض الشعوب الإفريقية لدراسة ثقافتها وتاريخها، من أجل تسهيل عملية استعمارها ونهب خيراتها. لم يقتصر الأمر على هذا الحد، بل استمر حتى بعد استقلال هذه الدول، وما زال أغلبها تابعا، بشكل أو بآخر، لمستعمره القديم، ولنا في دول غرب إفريقيا مثال.

ولأن الذاكرة التاريخية أساسا سردية جماعية يمكن إنتاجها وإعادة إنتاجها وفق تصورات وأهداف محددة، تركز على عناصر معينة، وتهمل أخرى، وتسقط أجزاء بعينها في دائرة النسيان، في ما يشبه عملية إعادة برمجة، هناك تلاعب سياسي بالذاكرة التاريخية للشعوب، لا يقل خطورة عما سلف. وغالبا ما يحدُث بواسطة أياد داخلية، ولنا في شعوبنا العربية أمثلة لا تُحصى، حيث خضعت مباشرة بعد الاستقلال لأنظمة سياسية سيطرت على جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وساهمت، بقصد أو من دونه، في عملية تقويض لركائز ذاكرة شعوبها وتفتيت لثقافتها، لحصرها في إطار قُطري ضيق وعزلها عن محيطها العربي الواسع، وخاضت هذه الأنظمة حروبا ضد شعوبها، وسجنت وهجرت كثيرين من مواطنيها. ما ساهم، في المحصلة، في تعميق شرخ الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة الذي حفره المستعمر، وجعلها شعوبا تبدو ظاهريا خاضعة لقدرها المحتوم ولا قوة لها، بل ولا إرادة لها في تغييره.

في مرحلة معينة من التاريخ، تتوقف الشعوب لمراجعة نفسها بسبب محفز داخلي أو خارجي، أو بسبب التراكمات الثقيلة وعدم قدرتها على الاستمرار في مسار الخضوع والخنوع. لذلك، تبعث إشارات واضحة تلتقطها النخب الحية، وهذا ما حدث مثلا بعد موت الجنرال فرانكو في إسبانيا، حين شكل الحدث مرحلة مفصلية جرت من خلالها المصالحة مع الماضي البائس، وتجاوزه والانطلاق نحو مستقبل أفضل. وهذا ما تحقق عمليا، ليلتحق هذا البلد بمصاف الدول الديمقراطية. في منطقتنا العربية، قامت دول بمحاولات لترميم ذاكرتها والاعتراف بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي حدثت في السابق والتعهد بإرساء مؤسسات وصياغة قوانين كفيلة بحماية المواطنين من مثل هذه الممارسات ومنع تكرارها، نذكر على سبيل المثال تجربة المصالحة الوطنية التي تبناها المغرب مع بداية حكم الملك محمد السادس، وهناك تجارب أخرى في الجزائر وغيرها. عموما، تبقى هذه التجارب غير قادرة على صيانة الذاكرة الجماعية، ولا حتى منع حدوث ما ينتهكها مستقبلا؛ وذلك لأسباب بنيوية تتعلق أساسا بطبيعة الأنظمة السياسية العربية.

كان لنا أمل إبان موجة الحراك العربي لما انتفضت هذه الشعوب وبرهنت على أن ذاكرتها لم تمت، ولا تزال حية، وأبدعت للعالم إحدى أبهى الملاحم في النضال السلمي، على الرغم من تاريخها المثقل بالمآسي، وقدمت للبشرية أعظم الدروس في تاريخ الأنظمة السياسية وعلم الاجتماع، وجعلتنا نستبشر خيرا في غد جميل، ونحلم باختفاء الظلام من حاضرنا، وما كدنا نفعل، حتى وجدنا أنفسنا في ظلام أحلك، وتأكدنا أننا لم نستيقظ بعد من الحلم وستعود شعوبنا ضحية تلاعب بذاكرتها، لتستكين لمصيرها وللنسيان. ولعل آفة حارتنا النسيان، بتعبير نجيب محفوظ.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...