العنف الأسري بين المقاربة المدنية والزجرية

رصد المغرب –

من القواعد البديهية المعلومة لدى الدارسين والباحثين والفاعلين في مجال القانون أن الفعل الجرمي لا يكتسب هذه الصفة إلا إذا توفرت فيه أركان ثلاث، أولها الركن المادي، أي الارتكاب الفعلي والعيني للجريمة، سواء بشكل مباشر أو بالمشاركة أو التحريض أو بالتستر أو بغيرها من الصور. وثانيها الركن المعنوي، أي تحقق القصد الجنائي لارتكاب الجريمة. وثالثها: الركن الشرعي أو القانوني، أي وجود النص القانوني المجرم لذلك الفعل الجرمي والمحدد لعقوبته المقررة.

وحيث إن العنف سلوك مشين ومنبوذ في المجتمع لاقترانه بالقوة المفرطة والإيذاء الجسدي أو النفسي للأشخاص، أو بتخريب الممتلكات أو المؤسسات أو المناسبات الدينية أو الوطنية أو التظاهرات الرياضية والفنية، فإن القانون الجنائي المغربي تعقب كل تمظهراته التي تمس الأشخاص أو الممتلكات أو المؤسسات أو المناسبات أو التظاهرات، ولذا تكرر بهذا اللفظ في النص الجنائي ما يقرب من خمسين مرة بصفته فعلا جرميا يعاقب عليه القانون.

وحيث إن العنف الأسري فعل جرمي يستهدف أفراد الأسرة، إلا أنه يصعب ضبطه وإثباته لعدة أسباب اجتماعية ونفسية وقانونية، منها:

أنه يمارس وراء الستار وفي الفضاءات الخاصة جدا (المنازل والغرف)، والبيوت أسرار كما يقال، ويصعب انتهاك حرمتها،

لا يتم البوح به في الغالب، بسبب الخوف (الخوف من تخريب العلاقة الزوجية – الخوف من “الفضيحة” – الخوف من إنزال العقاب بحبيب أو قريب).

لا يتم الحديث عنه بسبب النظرة النمطية لعموم المجتمع التي تضفي عليه المشروعية خاصة إذا كان ممارسا في حق الأطفال، لأنه يدخل في خانة الأساليب التربوية.

لا يتم التبليغ عنه بسبب كثرة الإجراءات القضائية الخاصة بالمتابعة في مثل هذه القضايا (شكاية – محضر – بحث – شهود…)…

لكل هذه الحيثيات وغيرها فإن المقاربة الزجرية وحدها لهذا الجرم الفظيع قد لا تؤتي ثمارها المرجوة على مستوى الأسرة والمتمثلة أساسا في المحافظة على استقرارها وتماسك أفرادها..

ومن ثم كان لا بد من مقاربة وقائية، ذات طبيعة مدنية وتربوية تسبق المقاربة الزجرية العلاجية لهذه الظاهرة المسيئة لكثير من النساء والأطفال وبعض الرجال داخل أسرنا المغربية.

هذه المقاربة دشن لها المشرع المغربي منذ خمسة عشرة سنة مضت، وتحديدا منذ سنة 2004، حينما وضع قانون مدونة الأسرة ودخوله إلى حيز التنفيذ في 05 فبراير 2004، لتكون نصا شرعيا ومدنيا راقيا ومتقدما لحفظ الاستقرار الأسري وحفظ الحقوق وأداء الواجبات وصيانة الأشخاص من العبث أو التعسف. وأناط تطبيقها السليم، أولا، بوعي المواطن المغربي واستعداده لتقبل ما جاء به هذا النص من تغييرات مهمة على مستوى التصورات والمفاهيم والإجراءات، ثم ثانيا، بتأكيده على خضوع مؤسسة الأسرة لسلطة القضاء تأسيسا وتقويما وإنهاء، خاصة عند وجود أي خلاف بين بعض أفرادها.

فما هي معالم هذه المقاربة؟ وما هي الإجراءات الدالة على أنها فعلا تحفظ أفراد الأسرة المغربية من العنف، أو على الأقل، يمكنها أن تسهم في معالجة هذه الظاهرة؟

أولا: المقاربة المدنية للعنف الأسري:

بالتأمل في مواد مدونة الأسرة نجد أنها فعلا تتضمن عدة مقتضيات تبني الأسرة وتقيها من الوقوع في جريمة العنف داخلها، ويظهر ذلك من خلال سن ثلاثة تدابير كبرى وتحتها جملة من الإجراءات التفصيلية:

التدبير الأول: تربية أفراد الأسرة على السلوك الديمقراطي، ذلك أن هذا السلوك داخل الأسرة كفيل بأن يجنبها الوقوع في ويلات الخصام والصراع والعنف والإيذاء، ولبلوغ هذا التدبير تم التنصيص على الإجراءات التالية:

إقرار مفهوم الشراكة الأسرية بدل القوامة الذكورية (إنشاء الأسرة تحت رعاية الزوجين المادتين الرابعة والمادة 51).

إقرار مبدأ الرضائية في تأسيس العلاقة الزوجية، من خلال التأكيد على ضرورة سماع العدلين التصريح بالإيجاب والقبول وتوثيقه في مجلس واحد.

التنصيص على حزمة من الحقوق والواجبات المتبادلة بين الطرفين (المادة 51) لتكون بمثابة دستور يحمي أفرادها من كل أساليب الشطط والتعسف في العلاقة الزوجية.

إقرار مبدأ التشاور في القضايا المصيرية التي تخص الأسرة، خاصة ما يتعلق بشؤون الأطفال.

إقرار مبدأ التدبير المشترك للأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية، للحيلولة دون الوقوع في الظلم المادي والمالي بين الزوجين، ولتحقيق العدل والإنصاف بخصوص الثروة المادية لأفراد الأسرة في حال نشوب خلافات بهذا الشأن.

التدبير الثاني: تربية جميع أفراد الأسرة على مبدأ المساواة، باعتباره مبدأ دينيا وكونيا ودستوريا عظيما يحفظ الكرامة الإنسانية، وينفي الإحساس بأفضلية جنس على آخر أو قوته أو قدرته على السيطرة في الفضاء الأسري، أي المساواة المتعلقة بحفظ الحقوق وممارستها بين طرفي العلاقة الزوجية بشكل يقوم على المودة والرحمة والانسجام وليس مساواة الندية والمماثلة المطلقة التي تؤدي إلى زيادة التوتر وعدم الاستقرار الأسري…. ومن الإجراءات الدالة على هذا التدبير:

المساواة في سن الأهلية للزواج بالنسبة للفتى والفتاة، وتحديده في 18 سنة شمسية كاملة (المادة 19)،

المساواة في إمكانية إدراج شروط إرادية في عقد الزواج، والتي لا تتنافى وأحكام عقد الزواج ومقاصده (المادة 47).

المساواة في الولاية الشرعية على الأبناء بالنسبة للأب والأم. (المادة 230).

المساواة في سن اختيار المحضون بين والديه المنفصلين، وتحديده في 15 سنة (المادة 166).

المساواة في كيفية إنهاء العلاقة الزوجية تحت سلطة القضاء، بحيث تم إقرار مساطر متقابلة تمارس بشكل إرادي منفرد: فالطلاق الرجعي الذي هو من حق الزوج، يقابله الطلاق المملّك الذي تمارسه الزوجة، أو بشكل مشترك كالتطليق للشقاق والتطليق للعيب.

المساواة بين الحفيدة والحفيدة في استحقاق الوصية الواجبة (المادة 369).

التدبير الثالث: إقرار الحلول التوافقية لتدبير الخلافات الزوجية، وهو تدبير حضاري أقرته مدونة الأسرة من شأنه أن ينهي جميع الخلافات الأسرية بمنطق “رابح – رابح”، وأن يحافظ على الود والفضل والإحسان بين بين الزوجين خاصة بعد انفصام العلاقة بينهما، وقد قال تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}، وقال: {ولا تنسوا الفضل بينكم}، كما أنه يسهّل مهمة القضاء في الفصل بين المتخاصمين من خلال إقرار ما تم التوافق بشأنه. ومن الإجراءات المعبرة عن هذا التدبير:

إقرار مسطرة الطلاق بالاتفاق بشروط لا تتنافى مع أحكام المدونة ولا تضر بمصالح الأطفال، أو دون شروط (م114).

التنصيص على ضرورة إجراء محاولة الصلح في جميع مساطر الطلاق والتطليق.

إقرار الحلول التوافقية بخصوص نفقة وحضانة الأطفال بما يحقق المصلحة الفضلى لهم.

إقرار التوافق والتراضي في المسائل المالية، خاصة بعد الوفاة (كإجازة الوصية بأكثر من الثلث من طرف بقية الورثة، وتصفية التركة بشكل ودي ما لم يكن بين الورثة قاصر أو محجور…).

ثانيا: المقاربة الزجرية للعنف الأسري:

إن نجاعة تدابير نص مدونة الأسرة في محاربة العنف الأسري، تحتاج إلى انخراط واع وجاد من طرف جميع أفراد الأسرة المعنية بها خاصة الزوج والزوجة والأطفال… إلا أن الواقع يؤكد أن هناك ضعفا في الالتزام بهذه القواعد المدنية، كما أن هناك حالات من الالتفاف عليها بالتحايل أو التدليس أو التهرب أو حتى بتعمد الخرق مع سبق الإصرار والترصد…

وضمانا لفعالية هذا النص المدني فإن المشرع المغربي وضع جملة من المقتضيات الزجرية التي توفر ما يسميه المختصون بـ”الحماية الجنائية للأسرة”، أي مجموع المقتضيات والتدابير القانونية الزجرية التي تحمي عناصر الأسرة من جميع الجرائم المادية أو المالية أو الجسدية أو الجنسية التي يمكن أن تلحقهم داخل أسرهم أو تسيء إليهم إساءات نفسية أو اجتماعية أو مادية بقدر من الأقدار…

وهكذا تم تجريم جميع أشكال العنف التي يمكن أن تلحق أفراد الأسرة، نذكر منها على الخصوص:

أ -العنف القانوني، ويظهر ذلك في:

تجريم التدليس في تأسيس العلاقة الزوجية، حيث أشارت المدونة في المادة 66 إلى أن التدليس في بعض الوثائق أو الأذونات الخاصة بالزواج ” تطبق على فاعله والمشاركين معه أحكام الفصل 366 من القانون الجنائي بطلب من المتضرر”. ومعلوم أن هذا الفصل ينص على عقوبة حبسية من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من مائتين إلى ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، إذا تعلق الأمر بتزوير في إقرار أو شهادة صحيحة الأصل. ولا شك أن وثيقة الزواج كأساس قانوني وشرعي لبناء العلاقة الزوجية تحتاج فعلا إلى هذا الإجراء الجنائي لقطع الطريق على المتلاعبين بهذه العلاقة الإنسانية المقدسة.

حماية حق التقاضي بين الزوجين بحسن نية، خاصة إذا تعلق الأمر بمساطر التعدد أو الطلاق أو التطليق، حيث نصت المدونة على ضرورة استدعاء الزوجة المراد الزواج عليها أو طلاقها بضرورة توصلها بالاستدعاء شخصيا وفي عنوانها المعروف، وإذا تبين أن سبب عدم توصلها يرجع إلى وجود تزوير أو تحريف في البيانات التي أدلى بها الزوج في عنوانها، فإن المدونة تحمي لها هذا الحق بالإحالة على مقتضيات الفصل 361 من القانون الجنائي المغربي، والتي تنص صراحة على أن فاعل مثل هذه التصرفات يعرض نفسه لعقوبة حبسية تتراوح بين ثلاثة أشهر وثلاث سنوات وغرامة من 200 إلى 300 درهم.

ب – العنف الاقتصادي، ويظهر ذلك في:

توفير الحماية الجنائية للنفقة: فقد خص المشرع المغربي النفقة بالحماية الجنائية اللازمة، حيث نصت المدونة في المادة 202 على: “كل توقف ممن تجب عليه نفقة الأولاد عن الأداء لمدة أقصاها شهر دون عذر مقبول، تطبق عليه أحكام إهمال الأسرة”، ومعلوم أن أحكام إهمال الأسرة كما هي منظمة في القانون الجنائي المغربي تنص على أن العقوبة المخصصة لجنحة إهمال الأسرة في الفصلين 479 و480، تتراوح بين الحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة من 200 إلى 2000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين.

تجريم تبديد أموال الزوجين وتعريضها لسوء التصرف، حيث ” يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر وغرامة من 2.000 إلى 10.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، أحد الزوجين في حالة تبديد أو تفويت أمواله، بسوء نية وبقصد الإضرار أو بالزوج الآخر أو الأبناء أو التحايل على مقتضيات مدونة الأسرة المتعلقة بالنفقة أو السكن وبالمستحقات المترتبة عن إنهاء العلاقة الزوجية أو باقتسام الممتلكات”،

ج – العنف الجنسي، وذلك من خلال التنصيص على:

تجريم جميع أشكال الخيانة الزوجية بمقتضى القانون الجنائي المغربي في الفصلين 491 و492 منه، والذي يحدد عقوبتها في “الحبس من سنة إلى سنتين”، وذلك بعد تقديم شكاية من الزوج المجني عليه أو الزوجة المجني عليها في هذه الخيانة.

تشديد عقوبة التحرش الجنسي إذا تم ارتكابها من طرف أحد الأصول أو المحارم أو من له ولاية أو سلطة على الضحية أو مكلفا برعايته أو كافلا له، أو إذا كان الضحية قاصرا. (عقوبتها: الحبس من ثلاث إلى خمس سنوات وغرامة من 5.000 إلى 50.000 درهم).

د – العنف الجسدي والنفسي، ويتجلى ذلك في:

تجريم الإيذاء الجسدي سواء بالجرح أو الضرب ضد أفراد الأسرة سواء تعلق الأمر بالزوج أو الزوجة أو الأطفال أو الفروع ضد الأصول أو العكس. وذلك منعا لحالات الاعتداء الجسدي والمادي التي قد تسيء إلى أفراد الأسرة وتسبب لهم عاهات مستديمة أو ندوب نفسية يستمر أثرها مع مرور الزمن..

تجريم الطرد من بيت الزوجية أو الامتناع من إرجاع المطرود، المنصوص على مقتضياته في المادة 53 من مدونة الأسرة، حيث يعرض فاعله للعقوبة (الفصل1-480): (يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى ثلاثة أشهر وغرامة من 2.000 إلى 5.000 درهم، عن الطرد من بيت الزوجية أو الامتناع عن إرجاع الزوج المطرود من بيت الزوجية، وفقا لما هو منصوص عليه في المادة 53 من مدونة الأسرة، وتضاعف العقوبة في حالة العود).

ه ـ العنف ضد الأطفال، وذلك بالتنصيص على:

حماية حق الطفل في الحياة في جميع مراحلها وخاصة في المرحلة الجنينية، حيث نص المشرع على هذا الحق في مدونة الأسرة في الفقرة الأولى من المادة 54، مما يدل على أن المشرع الأسري يمنع الإجهاض الذي يجني على حياة الجنين بغير سبب شرعي أو طبي، ويحيل بذلك على مقتضيات القانون الجنائي وتحديدا في الفصول من 449 إلى 458 التي تجرم الإجهاض، خاصة ذلك الإجهاض الذي لا يتم تحت إشراف طبي معترف به وموافقة الزوج في الحالات التي تستوجب ضرورة المحافظة على صحة الأم وحياتها.

الحماية الجنائية لحق المحضون في الزيارة والاستزارة، ذلك أن بعض من بيده الحضانة يمتنع أحيانا أو يتحايل في تمكين من له الحق في زيارة المحضون، ولا يذعن للمقرر القضائي المحدد لنظام الزيارة، كما أنه إذا تعرض المحضون للاختطاف من حاضنه أو من المكان الذي يضعه فيه، فإن المشرع الجنائي المغربي، في الفصل 477، وضع ضمانة جنائية وقانونية لحماية المحضون من مثل هذه التصرفات، والتي تصل عقوبتها إلى “الحبس من شهر إلى سنة وغرامة من مائتين إلى ألف درهم.

وإذا كان مرتكب الجريمة قد حرم من الولاية الأبوية على القاصر، فإن الحبس يمكن أن يصل إلى ثلاث سنوات”.

الحماية الجنائية لمصالح وأموال القاصرين والمحاجير، حيث أكد المشرع المغربي على أن إخلال المقدم أو الوصي بالتزاماته تجاه شؤون المحاجير والقاصرين يمكن أن يُــعرضه للمساءلة المدنية وكذا المساءلة الجنائية عند الاقتضاء، بناء على قرار النيابة العامة في الموضوع (المادة 257 مدونة).

والخلاصة

إن إقرار المشرع المغربي لهذه التدابير بشقيها المدني والزجري، دليل قاطع على أن هناك إرادة واضحة ونية لا شبهة فيها للقطع نهائيا مع هذا السلوك المشين الذي لا يزال يهين كرامة بعض أسرنا المغربية، إلا أن هذه الإرادة وهذه النية الحسنة تحتاج إلى تفعيل حقيقي لمجمل النصوص القانونية، بغية بلوغ الأمن الأسري المنشود، كما تحتاج إلى وعي مجتمعي بهذه المقتضيات المدنية والزجرية، ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا من خلال تكثيف الجهود من أجل المزيد والمزيد من التوعية والتحسيس عبر مختلف المنابر الإعلامية والمؤسسات التربوية والجمعوية.

رصد المغرب

www.rassd.ma


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...